الخميس 07 مارس 2013 الساعة 09:08:04 بتوقيت تونس العاصمة
تونس ـ «الشروق»
الموقف الجديد لأبو يعرب المرزوقي مستشار رئيس الحكومة المستقيل الذي اعتبر فيه أن النهضة تُكرس عملية غزو يرد فسادا سابقا بفساد من جنسه فتحول الحكم إلى توزيع مغانم في الحكومة وأجهزتها والإدارات وتوابعها توزيعها على الأقرباء والأصحاب والأحباب دون اعتبار لمبدإ الرجل المناسب في المكان المناسب، لم يختلف عن المواقف السابقة القريبة التي اعتبر فيها السياحة بغاء سريا أو الأبعد قليلا التي أقدم فيها على هجومات مجانية على خصوم النهضة خلال نقاش الدستور الصغير في التأسيسي ، أو أثناء أحداث العبدلية أو غيرها أو مواقفه السابقة التي دافع فيها عن بن علي أو محمد مزالي . كان قاسمها المشترك جميعا التهجم على القوى اليسارية والحداثية والديمقراطية .
المرزوقي انفردت مواقفه هذه المرة باقتران القول بالفعل باعلان الاستقالة من منصبه الحكومي ، وزادها بغلوّه المعهود ، بالانسحاب من الحياة العامة بالكامل ، رغم أن ملاحظين يعتبرون أن قرار عزله كان سابقا لقرار الاستقالة ، حيث اتخذت النهضة موقف الاستغناء عن كل مستشاري رئاسة الحكومة ، وهو منهم ، والاكتفاء بواحد بعينه هو نورالدين البحيري .
سابقا كان ابويعرب المرزوقي يستعدي الحكام على خصومه ، وكان في كل مرة يقدم خدمة لألائك ، يطلب فيها تشديدا على هؤلاء . والآن أراد أن يخرج عن هذه القاعدة ، ربما للظهور بمظهر من ناضل من أجل فكرة، باقترابه من النهضة ، لم يجدها تتحقق فآثر الانسحاب ، حفاظا على صفاء الفكرة ونقاوة المشروع .
واعتبر ابو يعرب المرزوقي أن آفة الآفات هو تحزيب الإدارة الثابتة التي ينبغي أن تكون مجرد منظومة شبه آلية للقيام بوظائف الدولة من أمن و عدل و تربية و صحة و كل ما يجعل الدولة جهازا ثابتا يتداول عليه من اختارهم الشعب لحكمه مدة ينبغي ألا تطول حتى يكون التداول آلية للتحسين المستمر للخدمات ودور الحكم الذي هدفه وغايته أن يكون محايدا أقصى ما يمكن للحياد أن يتحقق في علاقات البشر.
وينتهي الى القول بأن أكبر عيب وقع فيه الحزب الإسلامي الذي يحكم تونس بعد الثورة هو أنه يعمل بعكس هذه المبادئ بصورة شبه نسقية بقصد من نخبته القائدة أو بغير قصد لعدم قدرتها على تنظيم شؤون الحزب بما توجبه الاستراتيجية الحكيمة فأصبح حكمه عملية غزو يرد فساد السابق بفساد من جنسه فتحول الحكم إلى توزيع مغانم في الحكومة وأجهزتها والإدارات وتوابعها توزيعها على الأقرباء والأصحاب والأحباب دون اعتبار لمبدإ الرجل المناسب في المكان المناسب.
وقد سبق لابويعرب المرزوقي أن نشر في مجلة الفكر(العدد1 من السنة 31 ) ص 14 وما بعدها مقالا عنوانه “الاتجاهات الفكرية في مجلة الفكر” من بين ما جاء فيه:”إذا كان الأستاذ مزالي هو المؤسّس للمجلة في المعنيين القانوني والنظري والواضع لمبادئها وفلسفتها فإن الأستاذ البشير بن سلامة الذي واكبه في هذه المهمة يُعتبر الساهر المباشر على تحقيق هذه الفلسفة في بُعديها النظري والعملي إدارة للمجلة وإسهاما فكريا وذلك للتوافق النظري والإبداعي بين الأستاذين ولطبيعة علاقتهما الشبيهة بعلاقة عبده بالأفغاني” مضيفا في الهامش ما يلي:”المقارنة بين علاقة الزوجين الأفغاني عبده ومزالي بن سلامة مفيدة لأمرين فهي تحرّر العلاقة بين المؤسّسة والمحقق بدون نفي دور الثاني في مهمّة الأوّل ودور الأوّل في مهمّة الثاني لتمازج الدورين وعُسر الفصل، ثم هي تحدّد طبيعة أداة العمل المزدوجة العمل المباشر ثم المجلة، لكن مجلة الفكر كانت أكثر صمودا من العروة الوثقى والأسباب واضحة إذ أن الأولى مجلة نشأت وترعرعت في بلد مستقل في حين أمر الثانية نشأت وماتت في المنفى” فهل يمكن أن يستسيغ عاقل هذه المقارنة المبتذلة؟ علما بأن مزالي أيامها كان الوزير الأوّل المرشح لرئاسة الجمهورية دستوريا، وقديما قالت العرب إذا عُرف السبب بطل العجب.
2) بانتهاء الولاية الثانية للرئيس السابق وخلال سنة 1993 بدأ الإعداد والتمهيد لتنقيح الدستور بهدف التمديد له وفتح باب ترشحه دون موانع، أيامها تطوّع
كما متب المرزوقي مقالا في 25 صفحة اجتهد في توزيعه سنة 1993 حين شارفت الولاية الأولى لبن علي على الانتهاء و قد نشر بعضه في جريدة القدس تحت عنوان “أثر الفصام الثقافي على القوى السياسية العربية، تونس نموذجا” تحدث فيه مطولا عن اليساريين والإسلاميين والقوميين والليبراليين والحزب الحاكم… وغيرهم، خلص فيه إلى أن الضرورة الفلسفية والتاريخية والمستقبلية والإنقاذية والبنيوية والأخلاقية والمعرفية والسياسية…. تستلزم نقض الدستور والتمديد للرئيس السابق يقول في الصفحة 17:”والمعلوم أنه لا المعارضة الحالية المعترف بها أو غير المعترف بها ولا الحزب الحاكم بقادرَيْن على القيام بأعباء الحكم قياما يضمن شَرْطي الحياة السياسية والمدنية السويّة فيبعد هذه المخاطر، حتى لو سلمنا جدلا بأنهما لهما مرشح ذو مصداقية غير الرئيس الحالي الذي استطاع أن يحيّد بوجوده شاهية التردي في سلسلة الانقلابات أعني شاهية عسكرة النظام التي قد تستيقظ كما هي الحال في العالم الثالث كله بمجرد حصول الفرصة السياسية السانحة بل إننا يمكن أن نجزم أنها كادت تحصل لو لم يستعمل الرئيس الحالي طريقتين للحيلولة دونها مهادنة المعارضة بداية وبعث الحزب الحاكم غاية” وفيما ذكر إشارة إلى أحداث براكة الساحل التي يعاد فيها النظر قضائيا هذه الأيام، ويواصل المرزوقي في الصفحة الموالية قائلا:”لا يمكن إذن أن يكون التمديد ـ الذي هو ضروري لعدم وجود بديل يحافظ على شروط الاستقرار ويحقق المصالحة الوطنية قبل فوات الأوان ـ لمجرد التمديد بل لا بد أن يكون هذا التمديد مع ما بقي من النوبة الحالية الفرصة الأخيرة لإخراج تونس من أزمتها السياسية البنيوية خروجا سلميا يحميها مما عانت منه بعض البلاد الأخرى. وإذا لم تكن المجموعة النافذة في الحزب الحاكم مدركة لهذه المسؤولية الجسيمة فينبغي أن يكون ذلك مطلب كل ذوي العزائم الصادقة من النخبة السياسية التونسية كلها وخاصة مطلب المعارضة والرئيس الذي لا يمكن أن تبقى منزلته التاريخية ـ منقذا للبلاد من ذيول أزمة النظام السابق ـ محفوظة من دون إتمام هذه المهمة، فما ورد في بيان التحول لم يتحقق منه إلا القليل في مجال الشروط الضرورية لترشيد العمل السياسي ترشيدا حقيقيا لا صوريا يغني تونس عن الحاجة إلى منقذين، فالإنقاذ الذي لا يغني عن الحاجة إليه من بعده لا يمكن أن يعد إنقاذا حقيقيا” وفي الصفحة 19 يقول المرزوقي:”إن الحل الوحيد الذي ينبغي التفكير فيه بجدية هو إطالة عهد قوسي الشرعية الإنقاذية بعقد يستغل فيه الرئيس الحالي ما بقي من نوبته ونوبة إضافية لتحقيق شروط الحاكمية الديمقراطية المتحرّرة من كل حاجة إلى أساس غير الأساس الديمقراطي” ألا يصحّ بعد كل هذا التنظير والتفلسف وصف المرزوقي بحكم الأسبقية بأنه باعث المناشدة؟.
خلال شهر ماي 2002 موعد الاستفتاء على التعديل الدستوري الذي رفعت فيه قيود الترشح للمواعيد الرئاسية القادمة لبن علي سواء بعدد الدورات أو سن الترشح و بعد أن حُيِّدت هياكل حركة النهضة عن أي فعل سياسي داخل البلاد نشر المرزوقي مقالا في مجلة الطريق الجديد عنوانه “كيف نفهم فشل الأحزاب السياسية الإسلامية؟” من بين ما جاء فيه قوله :”ترجع كل الأسباب التي تفسر فشل الأحزاب الإسلامية إلى علتين أولهما يمكن أن نعتبرها متصلة بسوء استعمال مستوى الأدوات من العمران البشري أعني الوظيفة التي يؤديها الفعل السياسي في المجتمعات البشرية وصلاته بالفعل الخلقي عامة……. والثانية يمكن أن نعتبرها متصلة بسوء استعمال مستوى الغايات من العمران البشري أعني الوظيفة التي يؤديها المثال الأعلى في صلته بتحقيقاته المتوالية…… فقد بلغ القصور بقادة الأحزاب السياسية الإسلامية وبنخبها إلى حد جعلهم يخلطون بين المستويين فيحصرون الأوّل في الثاني لكونهم يقصرونه على التعبئة الجماهيرية للوصول إلى الحكم والبقاء فيه إلى الأبد لتطبيق برنامج ثابت لا يتغير . فتكون مهمّة الدولة التي يريدون تأسيسها وحكمها مقصورة على فرض تطبيق الشريعة بالقوة العامّة. وإنه لمن العجب العجاب أن يكون الفكر الإسلامي السياسي الحالي متصفا بكل شوائب التطرف” فما رأي المنتسبين لحركة النهضة في هذا الذي اختارته قيادتهم ليرأس قائمة تمثلهم وتنطق بلسانهم؟ وما قولهم في المقاييس التي على أساسها تم الاختيار؟ ثم إن حدث هذا مع من كان من المفروض أن يكون معروفا لدى الناس جميعا بحكم حضوره في الفضاء الثقافي فكيف هو الحال يا ترى مع مستوري الحال؟ وأيّهما نصدق قول المرزوقي في الطريق الجديد أو قوله الذي صفق له النهضويون طويلا في قصر المؤتمرات من أن النهضة ذروة ما وصل إليه الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي؟





















