تونس-افريكان مانجر
نظرت لجنة المالية و الميزانية، بمجلس نواب الشعب، في مقترح قانون يتعلّق بمجلة الصرف، حيث أكدت جهة المبادرة، أن التشريع الحالي المنظم للصرف، الصادر سنة 1976، لم يعد يستجيب للتحولات الهيكلية التي عرفها الاقتصاد الوطني والعالمي، وأن فلسفته القائمة على الحظر والترخيص المسبق والرقابة المركزية المشدّدة أصبحت متجاوزة في ظل اقتصاد منفتح ومتداخل مع المنظومات المالية الدولية وهو ما يتطلب التوجه نحو مالية منظمة وتحفيز الاستثمار.
نقلة نوعية
وقدّمت جهة المبادرة مقارنة مفصلة بين الإطار القائم والمشروع المقترح، موضحة أن مجلة الصرف الجديدة تقوم على نقلة نوعية في الفلسفة القانونية، من خلال المرور من منطق المنع والترخيص إلى منطق الحرية المنظمة والمسؤولية، وذلك من خلال اقتراح تصور يقوم على القطع التدريجي مع المنظومة السابقة القائمة أساساً على التراخيص المسبقة وتعدّد الإجراءات الإدارية، والتوجّه نحو تكريس مبدأ الحرية المراقَبة عبر تعزيز الرقابة البعدية وتبسيط مسار إنجاز العمليات المالية، بما يسمح بتسريع المبادلات وتخفيف الأعباء الإجرائية على المتعاملين الاقتصاديين ، وتوجيه الجهد الرقابي نحو العمليات ذات المخاطر الحقيقية، بما يعزز النجاعة والشفافية في آن واحد.
وفي سياق متصل بينت أن مقترح القانون لا يقتصر على تعديل بعض الأحكام، بل يؤسس لمنظومة جديدة تتلاءم مع الاقتصاد الرقمي، من خلال تنظيم أوضح لفتح الحسابات بالعملة، وتحيين تعريف صفة المقيم وغير المقيم، وإرساء قواعد أكثر مرونة للتحويلات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي المشروع.
كما يتيح المشروع إدماج المداخيل المتأتية من الأنشطة الرقمية والعمل عن بُعد والتعامل عبر المنصات الدولية ضمن الإطار القانوني الرسمي، بما يقلص من اللجوء إلى مسالك غير منظمة.
وأوضحت جهة المبادرة أن بروز النقود والأصول الرقمية وتوسع وسائل الدفع الإلكترونية يفرضان إطاراً تشريعياً حديثاً يؤطر هذه المعاملات ويُخضعها لقواعد الامتثال والحوكمة، عوض بقائها خارج التنظيم القانوني. خاصة و أن الجيل الجديد من رواد الأعمال يعتمد في مشاريعه على معاملات رقمية عابرة للحدود، وهو ما يستوجب تشريعاً مرناً يواكب الابتكار ويضمن في الوقت ذاته حماية الاستقرار المالي ومكافحة الجرائم المالية.
أهداف مجلة الصرف الجديدة
كما بيّنت أن من أبرز أهداف مجلة الصرف الجديدة تعزيز إدماج مختلف الفاعلين الاقتصاديين في الدورة المالية الرسمية، سواء من التونسيين بالخارج أو من المؤسسات الناشئة أو من أصحاب الأنشطة الرقمية، بما يوسع القاعدة الاقتصادية المنظمة ويحدّ من الاقتصاد الموازي، ويسهم في تحسين تعبئة الموارد ودعم الثقة في المنظومة المالية.
وأكدت أن تحديث تشريع الصرف يندرج ضمن رؤية أشمل لإرساء منظومة تشريعية متكاملة ومحفزة للاستثمار، في تناغم مع مشاريع قوانين أخرى تتعلق بمناخ الأعمال، بما يكرس بيئة قانونية واضحة ومستقرة، قادرة على جذب الاستثمار ودفع النمو وتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في محيطه الإقليمي والدولي.
وخلال النقاش اعتبر النواب أنّ عرض مشروع قانون شامل لمجال الصرف أمام لجنة المالية والميزانية يمثّل حدثا تشريعيا طال انتظاره، بالنظر إلى ما يكتسيه هذا المجال من أهمية في دعم الإقلاع الاقتصادي وتوفير بيئة تشريعية حديثة ومتناسقة قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد المنفتح وتحقق جاذبية الاستثمار.
وأكّد النواب أهمية الموازنة بين متطلبات التحرير الاقتصادي وضمان سلامة التوازنات المالية، مع التشديد على ضرورة توفير الآليات الرقابية الكفيلة بحسن تطبيق الإصلاحات المقترحة.
وأجمع عدد من المتدخلين على أنّ إصلاح مجال الصرف يمثّل ركيزة أساسية ضمن حزمة الإصلاحات الاقتصادية المنتظرة، باعتباره مدخلاً لتوفير نصوص تشريعية متكاملة تدعم الاستثمار وتيسّر حركة رؤوس الأموال وتُسهم في الإنعاش الاقتصادي، مع التأكيد على ضرورة أن يتمّ هذا الإصلاح بصورة تدريجية ومدروسة تضمن وضوح الرؤية للمتعاملين الاقتصاديين وتحافظ على التوازنات المالية للدولة.
كما تمّت الإشارة إلى أنّ طول آجال الحصول على التراخيص وتعقّد الإجراءات يحدّ من مرونة الدورة المالية ويؤثّر على مناخ الأعمال، وهو ما يبرز الحاجة إلى مراجعة المنظومة القانونية بما يضمن تحقيق توازن بين تسهيل العمليات المالية من جهة، والمحافظة على الاستقرار النقدي ومكافحة المخاطر المالية من جهة أخرى.
وفي تفاعلها أكدت جهة المبادرة أن مقترح القانون يهدف إلى جعل الإطار التشريعي للصرف أكثر استجابة للوضعية الاقتصادية الراهنة وداعماً لنسق الانفتاح الاقتصادي.
جدير بالذكر، فانه في حوار سابق لموقع افريكان مانجر، اعتبر رئيسة لجنة المالية و الميزانية ماهر الكتاري، أن المبادرة المعروضة حاليًا هي مبادرة نيابية، مشددًا على أن البرلمان لم يتسلّم أي مشروع حكومي من السلطة التنفيذية يتعلق بمجلة الصرف.
وختم بالإشارة إلى وجود تخوفات حكومية من مجلة الصرف ومن مسألة الانفتاح، معتبرًا أن تحقيق نسبة نمو في حدود 4 بالمائة لا يمكن أن يتم إلا عبر تطوير التشريعات والانفتاح على كافة دول البحر الأبيض المتوسط.





















