تونس-افريكان مانجر
تواصل اللجان بمجلس نواب الشعب النظر في مقترح مجلة الصرف، حيث عقدت لجنة المالية والميزانية مؤخرا جلسة استماع لمجلس الغرف المشتركة، الذين أكدوا، أن مراجعة مجلة الصرف تمثل مدخلًا أساسيًا لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، معتبرين أن فعالية قانون الاستثمار تبقى مرتبطة بوجود إطار صرفي مرن ومتناسق مع متطلبات النشاط الاقتصادي الحديث.
كما بينوا أن مسألة تحديد صفة “المقيم” و”غير المقيم” تمثل إحدى أبرز الإشكاليات الجوهرية المطروحة ضمن مشروع الإصلاح، داعين إلى مراجعة المفهوم القانوني للإقامة بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية الدولية ومع خصوصيات المؤسسات غير المقيمة، خاصة وأن نسبة هامة منها تنتمي إلى فئة المؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما أشاروا إلى الإشكاليات القانونية والعملية التي تطرحها بعض الأحكام الحالية عند دخول الشركات غير المقيمة في شراكات أو عمليات اندماج، بما يؤدي إلى تغيير صفتها القانونية بصورة تؤثر سلبًا على جاذبية الاستثمار الأجنبي.
ودعا ممثلو الغرف المشتركة إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة بخصوص إقامة الأشخاص الطبيعيين، بما يسمح بالمحافظة على صفة غير المقيم حتى في صورة تجاوز مدة الإقامة القانونية، وذلك بهدف استقطاب الكفاءات الأجنبية والمستثمرين الدوليين في ظل اشتداد المنافسة الإقليمية والدولية على استقطاب رؤوس الأموال والخبرات.
كما أكدوا أهمية اعتماد رؤية اقتصادية وجيوسياسية متكاملة تراعي التحولات الدولية والإقليمية وتدعم قدرة تونس على المحافظة على موقعها التنافسي، خاصة في القطاعات التصديرية التي تشهد منافسة متزايدة من عدة دول ذات كلفة إنتاج منخفضة.
وشدد المتدخلون كذلك على ضرورة تحقيق الانسجام التشريعي بين مجلة الصرف وبقية النصوص المنظمة للاستثمار وتسوية مخالفات الصرف، مع الدعوة إلى تكريس مبدأ التناسب والتدرج في العقوبات والقطع مع منطق التجريم الآلي، بما يضمن التمييز بين الأخطاء الشكلية أو غير المقصودة وبين الأفعال القائمة على التحيل أو سوء النية.
كما ثمن ممثلو الغرف الإجراء الوارد بقانون المالية لسنة 2026 والمتعلق بإمكانية فتح حسابات بالعملة الأجنبية، معتبرين أنه يمثل خطوة إيجابية نحو مزيد تحرير المعاملات المالية، مع التأكيد في المقابل على ضرورة تعزيز آليات الشفافية والرقابة وتتبع مصادر الأموال في إطار احترام التشريع الوطني ومقتضيات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
بدوره، رئيس لجنة المالية ماهر الكتاري، اكد الأهمية الاستراتيجية التي تكتسيها مجلة الصرف باعتبارها إحدى الركائز الأساسية المؤطرة للسياسات الاقتصادية والمالية والاستثمارية للدولة، مبرزًا ما تحظى به من اهتمام واسع لدى مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الوطنية والدولية، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على مناخ الأعمال وجاذبية الاستثمار وقدرة الاقتصاد الوطني على الاندماج في التحولات الاقتصادية العالمية.
كما أفاد أن مشروع مجلة الصرف، باعتباره من النصوص التشريعية ذات الطابع الهيكلي والاستراتيجي، يقتضي إرساء مقاربة تشاركية متكاملة تقوم على التنسيق الوثيق بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية، بما يضمن انسجام التصورات الاقتصادية والمالية للدولة مع الصياغة القانونية للمقترح المعروض على أنظار مجلس نواب الشعب. وأكد في هذا السياق أن نجاح الإصلاحات الكبرى لا يمكن أن يتحقق في إطار مقاربة أحادية أو معزولة، وإنما من خلال تكامل الأدوار بين السلطة التنفيذية بصفتها الجهة المؤتمنة على رسم السياسات العمومية وتحديد الخيارات الاقتصادية والمالية للدولة، والسلطة التشريعية باعتبارها الضامن الديمقراطي لحسن تأطير تلك الخيارات ضمن نصوص قانونية متوازنة وقابلة للتطبيق وتحظى بالمشروعية السياسية والمؤسساتية.
كما شدد على أن مجلة الصرف تمثل أحد المفاصل الأساسية للإصلاح الاقتصادي والمالي، وهو ما يقتضي بناء رؤية وطنية موحدة تستند إلى الحوار المؤسساتي والتفاعل الإيجابي بين مختلف مؤسسات الدولة، بما يسمح بصياغة إطار قانوني يحقق النجاعة الاقتصادية ويحافظ في الآن ذاته على التوازنات المالية والسيادة النقدية للدولة ويستجيب لمتطلبات المرحلة وتحديات الاقتصاد العالمي المتحوّل.
ويشار إلى أن مقترح قانون مجلة الصرف المعروض حاليا على أنظار البرلمان تم عرضه من طرف مجموعة من النواب.





















