بقلم: عائشة بن محمود
من دون أدنى شك فإن اللقاء التلفزيوني الأخير لرئيس الحكومة مهدي جمعة كان بمثابة جسّ النبض لقرارات محتملة سيتم اتخاذها تحت مسمى “تضحيات” والتي بالتأكيد ستتعلق بالزيادة في الأسعار من خلال إلغاء الدعم وتعليق الزيادة في مخصصات الأجور بالقطاع العام وإقرار ضرائب جديدة.
ولئن اعتبر القرار المتعلق بالانتدابات بالوظيفة العمومية صائب بسبب النقص الحاصل في موارد ميزانية الدولة للعام الحالي والمقدر بنحو 12 مليار دينار تقريبا وما يعادل نصف حجم الميزانية تقريبا، وفق ما كشفه رئيس الحكومة الذي قال إن رواتب الموظفين تحتكر 60% من ميزانية الدولة، إلا أن تلميح ذات المسؤول بشأن إلغاء الدعم مع مراعاة المقدرة الشرائية للفئات الضعيفة، يبقى مبالغا فيه حتى وإن عنونه تحت باب “التضحيات” الضرورية لتفادي الأسوأ.
قرار إلغاء الدعم ليس جديدا
وكما هو معلوم فإن قرار إلغاء الدعم ليس جديدا في تونس وقد تم البدء في تنفيذه منذ النظام السابق وبوتيرة بطيئة جدا في ظل غياب البديل الملائم لخطة إلغاء الدعم.
ويلاحظ أنه منذ تسلم حركة النهضة مقاليد الحكم، تسارعت وتيرة إلغاء الدعم وبشكل قياسي وما استحسنته المؤسسات التمويلية الدولية التي أيدت بقوة سياسة حكومة النهضة في إلغاءها الدعم على المحروقات بالأساس.
وكما هو واضح فإن السيد مهدي جمعة، الذي شغل خطة وزير صناعة في حكومة علي العريض المستقيلة وما يعنيه الأمر من اطلاع كبير له على ملف الدعم وحساباته، يسير في ذات النهج الذي سلكته حكومة الترويكا برئاسة النهضة، إلا أنه قد يتفوق على الحكومة السابقة بالإسراع أكثر في تنفيذ سياسة إلغاء الدعم بسبب قصر مدة الحكم الذي كلف به.
وقد لمّح رئيس الحكومة في حواره التلفزيوني إلى أن سياسة الانفاق التي ستنتهجها حكومته ستعمّ بالفائدة أيضا على خلفه، الذي سيمسك بالحكم من دون أعباء موروثة.
كما برّر رئيس الحكومة القرارات التي ينتظر اتخاذها بالواقع الصعب التي فرضها ليقدمها في شكل “تضحيات” ستكون مؤلمة بالتأكيد لمحدودي الدخل.
النقد الدولي والبنك العالمي وراء “التضحيات”
ولا يخفى عن كل متابع للشأن الاقتصادي أن التضحيات التي نادى بها رئيس الحكومة فرضها أبرز الدائنين وهما أساسا صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
إلا ان مهدي جمعة استدرك بالقول إن قرار “التضحيات” هذا سوف لن يشمل الفئات الضعيفة.
وانطلاقا من رصد سريع لواقع المجتمع التونسي بعد ثورة 14 جانفي 2011 يلاحظ أن الطبقة المتوسطة التي كانت هي المسيطرة في تونس، قد ضربت في الصميم لتبدأ بالالتحاق بالطبقة الفقيرة بسبب تدهور مقدرتها الشرائية في ظل غلاء المعيشة التي يعبر عنه اقتصاديا بالتضخم.
كما يلاحظ أن الهوّة اتسعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة بين ما يحصّله المستهلك في تونس من دخل وبين تكلفة المعيشة التي تفوق بكثير الأجر الأدنى المضمون (أقل من 300 دينار) بسبب ارتفاع قياسي في أسعار السكن وبنسبة تفوق 100% وأيضا أسعار المواد الاستهلاكية بكل أصنافها وخاصة منها الغذائية التي تمثل أكثر من 30 % من سلة التونسي الاستهلاكية.
ويعتبر مراقبون أنه يفترض أن يكون راتب 600 دينار في تونس هو الأجر الأدنى المضمون في واقع الأمر بالنظر لمعايير الفقر التي حددها البنك العالمي من خلال قدرة الفرد الواحد على انفاق دولارين فقط في اليوم الواحد.
وانطلاقا من هذه المعايير يمكن القول إن الطبقة المتوسطة في تونس التي كانت هي المسيطرة على التركيبة الاجتماعية أصبحت على حافة الفقر، وما لهذا الأمر أيضا من تداعيات وخيمة على التغذية، وفق ما حذر منه مؤخرا تقرير لمنظمة الصحة العالمية.
واقع جديد وخطير
ويبدو أنه فات رئيس الحكومة الحالي هذا الواقع الجديد والخطير في تونس والذي يفترض قرارات أكثر عقلانية وشجاعة من تلك التي يدفع إليها “النقد الدولي” و”البنك العالمي” لأن قرار إلغاء الدعم سيكون له تأثير “كرة الثلج” على أسعار باقي المواد والخدمات الاستهلاكية التي ستشهد بدورها ارتفاعا آليا.
ويلاحظ أن هناك تجاهلا مقصودا لقرارات بديهية كان يفترض اتخاذها، لأنها قد تمس في الصميم من مصالح “المستكرشين” حتى وإن لبسوا قناع “الوطنية” ويبقى التهرّب الضريبي أبرز عناوين هذه “الوطنية الزائفة”.
ومن بين هذه القرارات “البديهية” والتي يفترض اتخاذها قبل اتخاذ قرار إلغاء الدعم، هو اقرار ضريبة اضافية على الثروة والممتلكات العقارية التي تفوق العقار الواحد على غرار ما هو معمول به بالديمقراطيات الناجحة، وإلغاء نظام الضريبة التقديرية التي يتمتع به كبار المتهربين من دفع الضريبة وتعويضه بنظام ضريبي أكثر عدالة، بالإضافة إلى إلغاء الضريبة على الدخل الذي يقل عن 600 دينار بالنظر إلى الارتفاع الصاروخي لتكلفة المعيشة في تونس، وسن قانون جزائي ضد كل من يتهرّب من دفع الضريبة التي هي العنوان الرئيس للمواطنة في الديمقراطيات الناجحة اجتماعيا واقتصاديا وأين يعرّف فيها المواطن بـ “دافع الضرائب”.
تضحيات واقعية
بانتهاج مثل هذه السياسة المالية العادلة في معالجة معضلة ارتفاع نفقات الدولة مقارنة بمواردها فإن “التضحيات” هنا ستصبح واقعية، لأن من سيتحملها سوف لن يُمس في عيشه اليومي ولا يلاحق في الخدمات الصحية لفائدته، على خلاف محدودي الدخل الذين باتوا يمثلون أكثر من نصف المجتمع التونسي انطلاقا مما يتم رصده من واقع ملموس بعد الثورة.
في المقابل، يلاحظ أن المهتمين بالديمقراطية السياسية في تونس يتفادون بشكل فاضح التطرق لمثل هذه القرارات العملية التي ستساعد على إلى ارساء مواطنة حقيقية سلكتها نماذج سياسية ديمقراطية ناجحة قامت على العدالة الاجتماعية والاقتصادية بالاضافة إلى حسن التسيير ليصبح العمل والانتاجية المرتفعة هو ثمرة هذا المناخ العادل .
في هذه الأثناء، يخشى مراقبون اصدار قرارات وقوانين جديدة تكون على قياس مصالح “المرفهين” فيما سيتحمل تداعياتها “محدودي الدخل”، الذين هم في واقع الأمر مجرد وقود لثورة حققت “رفاهية فكرية وسياسية” لمرفّهين ماديا..والدليل الأكبر تزايد الفقر في تونس.





















