تونس – أفريكان مانجر
أعلن اليوم رفيق عبدالسلام في بيان عن اجتماع انعقد بمقر رئاسة الجمهورية حضره الرؤساء الثلاثة ،ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية وقائد الاركان رشيد عمار ، للتداول حول الوضع في مالي وتحديد الموقف من التطورات الجارية هناك .
وأشار الوزير الى أن الاجتماع انتهى الى اتخاذ موقف موحد من تطورات الأوضاع في مالي . وأشار الى أن تطور الأحداث المتمثلة في توسّع نطاق الحرب وتقدّم بعض المجموعات المسلحة أدّى الى تدخّل عسكري فرنسي بطلب من البلد الشقيق مالي . وأفاد الوزير بأن الاجتماع انتهى الى تأكيد دعم تونس لسلامة مالي البلد الشقيق ووحدة ترابه وادانة كل أشكال التهديد الذي يتعرّض له من المجموعات الارهابية .كما عبر الاجتماع عن تفهم القرار السيادي الذي اتخذه مالي لمواجهة المخاطر التي يواجهها
ودعا الى اطلاق حوار سياسي وطني شامل بالتوازي مع هذا الجهد العسكري بهدف ادماج القوى الوطنية التي لا تلجأ الى السلاح .
وحث الاجتماع عالي المستوى الذي جرى في قصر الرئاسة ،دول الساحل الافريقي وبلدان المغرب العربي لمعاضدة هذه الجهود ، و توحيد السياسات الأمنية لمواجهة هذه المخاطر المحدقة بالمنطقة ، خاصة وأن بلدان المغرب معرضة باطراد الى تبعات هذا النزاع .وادان اختطاف مواطنين جزائريين ورعايا أجانب على الحدود الجزائرية الجنوبية ، والتعبير عن التضامن الكامل مع الاشقاء الجزائريين .
موقف مبدئي مهزوز
واستغرب ملاحظون هذا التغير في الموقف التونسي الذي عارض في البداية التدخل الفرنسي في مالي . حيث سبق وزير الخارجية رفيق عبد السلام أن أعلن عن معارضة تونس المبدئية لأية عملية عسكرية غير إفريقية في القارة الافريقية .وأكّد أن المشاكل التي تستجد في أفريقيا يجب أن تحل في إطار إفريقي” .
و امتنع رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي من جانبه عن تقديم دعم للتدخل الفرنسي مشيرا إلى أنه يفضل “حلا سياسيا عن طريق التفاوض” في وقت كانت فيه قوى القاعدة تتقدّم نحو عاصمة مالي .
وظهرت في وسائل الاعلام وعلى صفحات التواصل الاجتماعي مواقف أطراف قريبة من النهضة تندد بتدخّل فرنسا ، ومنها من دعا الى مقاطعة المنتوجات التجارية الفرنسية كرد فعل على تدخّلها في مالي ، في ما بدا وكأنه دعم من الأوساط الاسلامية القريبة من الحكومة للمتطرفين الذين يهددون الوحدة الترابية لمالي .
كما أن عمليات التدمير التي تتعرّض لها مقامات الأولياء وعديد المعالم في شمال مالي ، لم تجد لها من مدافع في الأوساط الاسلامية . ولم يصدر عن النهضة أي تنديد بها أو حتى تباين منها . وربط ملاحظون بين الاعتداءات التي تتعرض لها هذا المعالم والمقامات في شمال مالي ، وبين الهجومات الذي تتعرّض لها نفس المعالم في تونس ، من سلفيين وهابيين ، دون أن يصدر عن حركة النهضة ما يفيد بعدم رضاها على ما يحصل .
ما الذي دفع في اتجاه تغيير الموقف التونسي ؟
جدت يوم الاربعاء عملية اختطاف لرهائن في جنوب الجزائر. و تمت الاشارة الى العملية في الاجتماع عالي المستوى الخميس في تونس . وترددت أنباء عن أن المختطفين الذين سحبهم الارهابيون ، تم تهريبهم الى ليبيا عبر تونس . فهل كان لهذا الحادث تأثير في تحوّل الموقف التونسي؟ وهل أظهر أن الخطر على بلدان المنطقة ومنها الجزائر وتونس هو خطر قريب .
لا نتصوّر أن هذا الحادث كان محددا الى درجة كبيرة . ذلك أن تونس شهدت كشف شبكات ارهابية خلال أقل من أسبوعين في أواخر ديسمبر 2012 بكل من جندوبة والكاف والقصرين ودوار هيشر ، وتم الحديث عن اكتشاف أسلحة وخرائط ، وربط رسميون بين هذه الاحداث وما يجري في شمال مالي . وتحدّث رئيس الجمهورية ل”فرانس 24″ بأن تونس أصبحت ممرا للسلاح المتوجّه الى مالي . ولم يؤثّر ذلك في تقدير الحكومة للوضع و ظل موقفها من ازمة مالي يستند الى تقدير جامد : الازمة بعيدة ، والمتضررون منها بعيدون ،حتى ولو كانت الجزائر الشقيقة ، أو اقترب أذاها من تونس . وربما يظل الاعتبار الطاغي هو: لا بأس من مساندة أي طرف يدّعي الاسلام في أي معادلة وطنية أو دولية حتى ولو اقترب من القاعدة .
وسمعنا في التصريح الذي أدلى به اليوم وزير الخارجية أن الاجتماع عالي المستوى خلص الى اتخاذ موقف موحد ، وقالت بتأكيد غريب بما أوحى أن المواقف لم تكن في المنطلق موحّدة ، رغم أن عناصر الوضع على غاية من الوضوح .
هذه المواقف الغائمة ، رغم تداركها في اجتماع اليوم ، لا تخيف المواطن فقط ، بل تساهم في عزل تونس ، مثلما رأينا في حادثة الهجوم على السفارة الامريكية في 14 سبتمبر 2012 أو في الهجوم على القنصلية الامريكية في بنغازي . و تردد أن تونسيين على الأقل لهما علاقة به . وهي مواقف تجعل الفاعلين في النهضة – الذين لهم تأثير كبير على الحكومة – يقسمون التونسيين ومواطني العالم الى مسلمين يحل لهم ما لا يحل لغيرهم ، ويتم التساهل معهم الى درجات لا يسمح لغيرهم بها ، وغير مسلمين – ومنهم بلدان بلدانا شقيقة من الجوار ومن البلدان الافريقية – لا شأن لنا بهم ، حتى ولو انطلق من يسعى لايذائهم من أراضينا .
ان هذا الوعي الجديد الذي ظهرت عليه الحكومة لا نتصوّر أنه وليد ادراك للأخطار التي تحدق بالمنطقة ، ولكنه ربما وليد توازنات داخلية جديدة جعلت تونس تعود الى ما اعتادها عليه الاشقاء و الشركاء والاصدقاء . وهو تطوّر ايجابي ، حتى ولو جاء متأخّرا .





















