تونس-افركان مانجر
مازال مقترح العفو العام في جريمة إصدار شيك بدون رصيد يثير جدلًا واسعًا بين المختصين في القانون والفاعلين في الشأن العام، وقد عبّر عدد من الأساتذة الجامعيين والمحامين، خلال يوم دراسي نظّمته الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب مؤخرا، عن تثمينهم للمبادرة باعتبارها خطوة إيجابية نحو تحديث المنظومة القانونية وتخفيف العقوبات السالبة للحرية، إلا أنه في المقابل دق البعض الآخر ناقوس الخطر بشأن ما قد ينجرّ عن هذا العفو من مخاطر على مبدأ الثقة في المعاملات التجارية.
و شدّد المحامون والأساتذة الجامعيون على ضرورة البناء على ما تم تحقيقه من مكتسبات بفضل القانون عدد 41، الذي يُعدّ محطة نوعية في مسار الحدّ من العقوبات السالبة للحرية، انسجامًا مع المعايير والممارسات الدولية.
كما تمّ تقديم جملة من الملاحظات حول مقترح القانون، حيث تمّ التأكيد على بعض أوجه انسجامه مع المبادئ العامة، وخصوصا مبدأ عدم جواز التنفيذ على الذات، في حين تم التنبيه إلى تعارضه مع مبدأ الثقة في التداول الصرفي، الذي يُعد ركيزة أساسية في القانون الصرفي.
كما أُثيرت مخاوف جدّية من إمكانية المساس بالحقوق المكتسبة للدائنين، مما قد يمسّ بمبدأ المساواة.
شروط النظر في العفو
ومن أجل ضمان فعالية التشريع الجديد وتحقيق التوازن بين مختلف الأطراف، شدّد المتدخّلون على ضرورة مراعاة عدة شروط أساسية عند النظر في هذا المقترح، تتمثّل في تحديد نطاق واضح ومحدد لتطبيق العفو، مع مراعاة حقوق الدائنين بوضوح ضمن النص، إلى جانب الحرص على عدم السّماح بأن يتحوّل العفو إلى وسيلة تسهّل العود، بالإضافة إلى إدراج فصل واضح يضمن إعادة التأهيل البنكي للأشخاص المشمولين بالعفو، وفق ما نشره مجلس نواب الشعب على صفحته الرسمية فايسبوك.
كما تمّ تقديم مقترحات إضافية تشمل إدراج فصل يمنع سقوط حق المستفيد من العفو بمرور الزمن، ومراجعة أحكام المجلّة التجارية بهدف تبسيطها وتعزيز دور وسائل الائتمان البديلة للشيك، مع التفكير في إيجاد حلول تمويل بديلة كالقرض الحسن.
وأكّد المتدخّلون أهمية اقتصار تطبيق العفو على الشيكات الصادرة قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، وتوفير آليات فعّالة لتسهيل تنفيذ التشريع بعد إقراره.
وفي سياق متّصل، شدّد البعض على ضرورة اعتماد منهجية متأنية قبل إصدار تشريع جديد، معتبرين أنّ التقييم الحقيقي لكشف مدى فاعلية القانون يحتاج إلى مرور وقت كاف يسمح بدراسة تأثيره بشكل شامل وعلى كلّ الأبعاد، بالإضافة إلى ضرورة دراسة البيانات والإحصائيات بدقة تجنبًا للمخاطر القانونية والأخلاقية المحتملة، مع أهميّة الانتباه إلى تعدد الأطراف المتداخلة في هذه المسألة.
وقدّم المتدخّلون عدة توصيات، شملت احترام مبدأ الأمن القانوني من خلال ضمان التوافق بين التشريع الجديد والقوانين السابقة، وتهيئة مرحلة انتقالية مناسبة. وأكّدوا ضرورة الاعتماد على معطيات وإحصائيات دقيقة وموحّدة لتقييم الجدوى الاقتصادية والقانونية بشكل موضوعي. كما أوصوا بوضع ضوابط صارمة للعفو ضمن مقترح القانون، ليقتصر على المخالفين لأوّل مرة، تفاديًا لاستغلاله كأداة لتبييض الفساد أو تشجيع المخالفات المتكرّرة.
صعوبات في تطبيق قانون الشيكات
وخلال النقاش العام تطرقوا نواب البرلمان، الى الصعوبات التي تعرّض لها بعض المتضررين عند التسوية خاصة تلك المتعلّقة بمسألة إجراءات تطبيق الحجة العادلة، فضلا عن عدم الالتزام بمقتضيات المنصة الالكترونية الخاصة بالشيكات. ودعوا الى ضرورة تكثيف حملات التوعية والتحسيس اللازم بأهمية القانون لضمان حسن تطبيقه واستقراء مدى نجاعته.
وقد تباينت الآراء بخصوص مقترح القانون المتعلق بالعفو العام في جريمة إصدار شيك بدون رصيد. ودعا البعض الى التريّث والتمهّل في تطبيق القانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024 المتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة التجارية وإتمامها من أجل تبيان أهم النقائص وإمكانية تضمينها في المبادرة التشريعية. وأكّدوا في هذا الصدد أن أحكام هذا القانون متكاملة و تتضمّن مسألة العفو لا سيما في فصليه الخامس والسادس.
كما اعتبروا أن صياغة تشريعات جديدة في هذا المجال يمكن أن يضرّ بمبدأ الأمان القانوني والاقتصادي والمساواة بين المتضررين. وأكّدوا أهمية استقرار النص القانوني وتقييم مدى نجاعة اليات تطبيقه على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية.
واعتبر البعض انه لا بد للمشرّع من التريث والعمل بكل عقلانية والابتعاد عن الضغوطات في مسالة العفو التشريعي في جريمة إصدار الشيك دون رصيد من أجل ضمان الجدوى من سنّ هذا التشريع.
وعبّر جانب أخر من النواب عن مساندتهم للمبادرة معتبرين انّ المقترح في تناغم تام مع مقتضيات القانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024 والمتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة التجارية وإتمامها، ولا يتعارض مع احكامه خاصة تلك المتعلقة بالفصلين 5 و6 . وبينوا أن الهدف الأساسي من المبادرة هو ضمان حق المستفيد في التتبع المدني بدرجة أولى وإعادة إدماج المتضررين في الحياة الاقتصادية ولا سيما منهم أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة، داعين الى عدم شيطنة المشرّع باعتبار أنه منزه عن العبث.
وأشار بعض النواب الى مسألة طول إجراءات التقاضي لاسيما في القضايا المتعلقة بالمجال التجاري والجزائي داعين وزارة العدل الى التفكير في آليات عمل جديدة لمزيد حوكمة الزمن القضائي.




















