تونس- أفريكان مانجر
دعا اليوم مسؤول مالي سابق نواب مجلس الشعب إلى مساءلة الحكومة المتخلّية بشأن قرض بقيمة مليار دولار أقدمت على تحصيله حكومة مهدي جمعة عشيّة مغادرتها الحكم وبكلفة باهظة الثمن وغير مبررّة.
ووصف ذات المسؤول، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن ما اقدم عليه وزير مالية الحكومة السابقة حكيم بن حمودة “ارهاب مالي” سيزيد من أزمة تونس الاقتصادية والتي ستكون تداعياتها وخيمة.
وقال إن تكلفة هذا القرض الذي تحصلت عليه تونس مؤخرا ستكون في واقع الأمر بـ12% وليس 5.75 باعتبار تكلفة انزلاق الدينار أمام الدولار.
وأوضح أن ما حصل سابقة في تاريخ الاقتراض الخارجي في تونس، إذ لأول مرة يتم الخروج عند مطلع العام (جانفي) حيث عادة ما يتم الخروج في شهر افريل بعد توضح الرؤية حول مدى قدرة الدولة على تنفيذ نفقاتها وبعد بدء تنفيذ الميزانية، كما أنها فترة غير مناسبة تقليديا على مستوى الأسواق المالية العالمية.
فائدة جملية بـ330 مليون دولار
ويتوقع أن يكون مجموع قيمة الفائدة على هذا القرض الأول من نوعه منذ 2017 بنحو 330 مليون دولار (ما يناهز 660 مليون دينار تونسي وبالسعر الحالي للعملة المحلية) من دون احتساب نفقات أخرى تتعلق بالقرض على غرار منحة الاصدار وتكلفة العمولة التي تحصلت عيها بنوك الأعمال الأجنبية الثلاثة التي تم تكليفها من طرف الحكومة التونسية لتحصيل هذا القرض.
ويلاحظ في هذا الصدد أنه بقدر ما يرتفع مجموع قيمة القرض، تزداد قيمة عمولة هؤلاء البنوك المكلّفة بتحصيل القرض.
الأسباب الحقيقية
ويتساءل مراقبون عن اسباب مسارعة الحكومة للخروج للأسواق العالمية عشية خروجها من قصر القصبة من جهة وأيضا تزامنا مع تدني أسعار النفط إلى مستويات غير متوقعة حيث ناهز 45 دولارا مقابل 95 دولارا كانت متوقعة في ميزانية 2015 المرصودة وما يحقق مكاسب إضافية للدولة يغنيها عن المسارعة للاقتراض العالمي وبمثل هذه التكلفة غير المسبوقة في تاريخ الاقتراض الخارجي لتونس على الأسواق العالمية للمستثمرين الخواص.
وتقدر الفائدة بالأسواق العالمية حاليا على المدى الطويل بنحو 4% على اقصى تقدير فيما تقدر على المدى القصير 1.8%.
مساءلة
ودعا المسؤول المالي السابق، نواب الشعب التحرك للتحقيق ومساءلة “المورطين” في ما اعتبره قرضا كارثة على تونس والكشف عن الأسباب الحقيقة وراء مثل هذا الاقتراض المجحف في حق دافعي الضرائب في تونس وعن أسباب اللجوء في وقت خاطئ للسوق المالية العالمية ولماذا تم تجاهل فوائض تراجع أسعار النفط والمكاسب التي ستحققها الدولة من هذا الظرف الملائم بدل اللجوء إلى مثل هذا الاقتراض الخارجي الذي أثار جدلا كبيرا وشائكا. هذا اضافة إلى الاقتراض بعملة الدولار رغم تراجع العملة التونسية امامه بنحو 70 % على امتداد العشر سنوات الماضية.
ويتوقع مراقبون استمرار تدهور العملة التونسية امام الدولار الأميريكي إلى ما يعادل 3.3 دينار إلى حدود 2025 تاريخ تسديد آخر من قرض الملياري دينار في مؤشر خطير على تداعيات وخيمة لهذا القرض.
كما طالب النواب بفتح تحقيق عن حقيقة ادعاءات لمسؤولين في الحكومة السابقة عن ضغوطات لصندوق النقد الدولي بشأن إلغاء الدعم والمطالبة بوثائق رسمية تثبت هذا الأمر الشائك.
بيان غير مسبوق
وكان البنك المركزي التونسي أصدر بيانا غير مسبوق أيضا الجمعة الماضي لتبرير قراره اللجوء إلى السوق المالية العالمية للتداين من المستثمرين الخواص، والحصول على تمويل يعادل ملياري دينار تونسي بسعر الدولار الحالي.
وبيّن المركزي في بيانه أن عدم وضوح رؤية مؤسسات مالية دولية بشأن صرف ما وعدت به من تمويل لفائدة تونس، دفعه إلى اللجوء إلى المستثمرين الخواص بالأسواق المالية العالمية.
كما أكد حاجة تونس الى دعم مدخراتها من العملة الصعبة لتغطية النفقات المتنامية بالدولار وتحقيق استقرار سعر صرف الدينار مشيرا الى ان الاحتياطي من العملة الصعبة سيبلغ بفضل هذا القرض رقما قياسيا اذ سيتجاوز 15 مليار دينار أي ما يعادل 129 يوم توريد.
بيان “مشين”
وكان الخبير المصرفي لدى البنوك الأوربية أشرف العيادي، المقيم في فرنسا، اعتبر هذا البيان “مشينا”، ويعتبر هذا الأخير من أبرز المنتقدين لهذا القرض الذي حذر من تداعياته على الاقتصاد التونسي. وكشف هذا الخبير أن تونس ستبدأ بتسديد 77 مليون دولار بدءا من شهر جويلية هذا العام كقسط اول لهذا القرض.
ويعتبر مراقبون من الوسط الاقتصادي أن سوء إدارة الشأن المالي في تونس وأيضا التجاري ومطامع وصولية لبعض المتنفذين في السلطة من الأسباب التي ادت إلى هذا الوضع الكارثي وما أدى أيضا إلى تسجيل تونس لعجز تجاري قياسي ناهز 14 مليار دينار العام الماضي مقابل معدل 5 مليارات دينار سنويا قبل الثورة التونسية.
وفي هذا السياق يستغرب هؤلاء استمرار حكومات ما بعد الثورة في استيراد سلع تصنف كمالية غير ضرورية للاستهلاك بالسوق المحلية على غرار السيارات وسلع استهلاكية أخرى مثل تلك الغذائية على حساب احتياطي الدولة من العملة الأجنبية.
كما يقترح هؤلاء أن يعتمد البنك المركزي سياسة الفائدتين المختلفتين عند بيع عملة الدولار للتونسي المقيم وبحسب استخدامات هذه العملة على أن تكون مرتفعة إذا كانت لأغراض ترفيهية وكمالية ومنخفضة إذا كانت خدمة للاقتصاد الوطني.
ويخشى الرافضون لهذا القرض ان تكون تداعياته وخيمة خاصة وأن المشهد السياسي غير مستقرّ حاليا بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، كما أن الشروط المجحفة التي جاء فيها هذا القرض قد تصبح ملازمة لأي تداين خارجي لتونس مستقبلا.
عائشة بن محمود





















