الأستاذ علي لبـيب
تعتبر بطاقة التعريف الوطنية في الدول الديمقراطية وثيقة لاثبات هوية حاملها لا غير. ولذلك نرى أن محتواها يقتصر على الرقم الوطني للفرد وصورته واسمه يضاف إليها أحيانا مكان الولادة ومكان الاقامة. فهي إذا لا تتضمن بيانات ﻟﻠﺘﻌﺮف ﻋﻠﻰ ﺷﺨﺼية حاملها كالبصمات والدين والوظيفة واسم الأم وغيرها. ولئن نسجت بعض دول العالم الثالث على هذا المنوال إلا أن في أغلبها لا يزال محتوى بطاقة التعريف الوطنية يتجاوز غاية اثبات الهوية إلى الارشاد عن شخصية المواطن وأوضاعه الاجتماعية وانتماءاته العقائدية وغيرها.
إن البيانات الشخصية غير ضرورية لاثبات هوية الفرد إلا أن تضمينها بالبطاقة الوطنية عند الأنظمة البوليسية كتونس زمن بن علي يفيد في تشديد المراقبة على المواطنين – وفي اشعارهم على الدوام بذلك
– وللتمييز بينهم في الفضاء العام.
وكلنا ندري بأنه عند الاستظهار بالبطاقة الوطنية أن الأغلبية الساحقة من الاداريين يطّلعون قبل كل شيء على “الوظيفة” حتى يصنفوا المواطن ويحددوا كيفية التعامل معه. ويصبح المواطن بحسب التصنيف الذي يضعه فيه الاداريون: “يخوّف” أو”خوّاف” و”عندو” أو”مزمّر” و” ينفع ” أو”ما ينفعش” إلى غير ذلك من التصنيفات الاعتباطية. إن تضمين “الوظيفة” ببطاقة التعريف الوطنية يخلق علاقة سيئة مبنية على ميزان القوة بين المواطن والاداري يفضي عموما إلى تيسير قضاء شؤون “اللي عندو” وتعسير شؤون “المزمّر”.
ويعتبر تضمين المعلومات للتعرف على شخصية الفرد وعلى أوضاعه الاجتماعية اعتداءا على حياته الخاصة ويعطي صورة سلبية عن الدول التي تعمل به. وسعيا منها لتلميع صورتها في الغرب في هذا الصدد قامت السلطات التونسية في جواز السفر بحذف “الوظيفة” من الصيغة الفرنسية وأبقت عليها في الصيغة العربية، وهذا يؤكد بأن الغاية من تضمين “الوظيفة” ليست اثبات الهوية وإنما هي مراقبة المواطنين والضغط عليهم.
ومما لا شكّ فيه أن “الوظيفة” تمثل لفئات كبيرة من المواطنين مصدرا للشعور بما يعرف اصطلاحيا بـ”الحقرة”. فببطاقة التعريف الوطنية التونسية وظائف ليست بوظائف كـ”متقاعد” و”لا شيء” و”عامل يومي”. ويُحشر في وظيفة “لا شيء” مئات الآلاف من النساء الكادحات في المزرع والبيت وبيت الغير وتربية الأبناء ويُحشر في “عامل يومي” مئات الآلاف من الذين لا تتجرأ الادارة على ذكر “وظيفتهم” الحقيقية والتي هي في الواقع “عاطل عن العمل”. وكلّما يغيّر المواطن شغله يستبدل بطاقته الوطنية. ومن الوثائق اللازمة لذلك تقديم شهادة في الشغل الجديد وأيضا شهادة في “مآل الشغل الأول” يطلبها المعني بالأمر من مشغّله السابق. وهنا لا نرى مبررا لاشتراط هذه شهادة سوى دوافع أمنية. ويستحيل على كثير من المواطنين استبدال بطاقاتهم لعدم حصولهم على هذه الشهادة لأسباب عديدة كسوء العلاقة الشغلية السابقة أو بُعد المشغل السابق أو اندثاره… وهذا ما حصل في حالتين عبثيتين نعلمهما: في الأولى غادر محاسب مشغّله وهي شركة في المحاسبة وانتصب لحسابه الخاص وهو ما لم يرق للشركة ورفضت تسليمه شهادة في مغادرته لها. وتخصّ الحالة الثانية أستاذا جامعيا كان ملتحقا بالتجمّع وعاد للعمل بكليته بعد الثورة. ولكن استحال على هذا الاستاذ استبدال بطاقته لأنه لم يعد يجد من يسلمه شهادة في “مآل الشغل الأول” بعدما اندثر التجمّع الذي كان يشغّله. ولذا لقد حان الوقت لإعادة النظر في محتوى البطاقة الوطنية بدءا بحذف “الوظيفة” لأنها تفسد العلاقة بين الادارة والمواطنين وتساهم في الفساد وتفشّي الرشوة والذل.





















