طرقات مقطوعة ومناطق معزولة، نشاط اقتصادي مشلول… خسائر تتجاوز الأضرار المادية لتطال جوهر النمو والتنمية، وتُعيد إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية وضعف الاستثمار فيها. هذا هو المشهد الذي خلفته التغييرات الجوية والمنخفض الذي عاشته بلادنا على مدى يومين.
وتتجلّى الخسائر الأولى على مستوى البنية التحتية، حيث تضررت الطرقات والجسور وشبكات التصريف في وقت وجيز، ما قد يفرض على الدولة نفقات عاجلة لإعادة الإصلاح. غير أن الكلفة الحقيقية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى تعطّل الدورة الاقتصادية اليومية، خاصة في المدن الكبرى والمناطق الصناعية، جراء انقطاع الطرق وتعطل التنقل، وبالتالي توقف الخدمات.
36 مليون دينار لتحسين أنظمة الحماية من الفيضانات
وخلال السنوات الأخيرة خصصت الدولة نحو 36 مليون دينار لتحسين أنظمة الحماية من الفيضانات على المستوى الوطني، من بينها 8،2 مليون دينار للعاصمة وحدها، فيما من المتوقع أن يرتفع الإنفاق إلى 213 مليون دينار في 2026 لتنفيذ مشاريع استباقية في عدة جهات.
في المقابل كشفت تقديرات البنك الدولي أن المخاطر المناخية وحدها قد تكلف الاقتصاد التونسي ما يصل إلى 9.4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050 ما لم تُعزَّز الاستثمارات الوقائية.
في الوقت ذاته، يواجه الاقتصاد تحديات هيكلية تجعل الإنفاق الاستثماري أقل من المطلوب، بينما يبلغ الدين العام أكثر من 80% من الناتج المحلي، ويُقَدَّر تمويل عجز الميزانية لعام 2026 بحوالي 27 مليار دينار.
علاقة عضوية بين البنية التحتية والتنمية
في هذا السياق، اتصلت أفريكان مانجر بالخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، الذي أكد أن العلاقة بين البنية التحتية والنمو والتنمية هي علاقة عضوية ومباشرة، تتجلّى في زاويتين أساسيتين.
تتعلق الزاوية الأولى بالعنصر البشري، حيث يؤدّي تعطل حركة التنقل بسبب تضرر الطرق والبنية الأساسية أثناء الفيضانات إلى تعطيل اليد العاملة والموظفين عن الوصول إلى أماكن العمل، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية، وبالتالي على نسق النمو والتنمية، معتبرا أن كل ساعة عمل ضائعة بسبب الاختناق المروري أو انقطاع الطرق جراء الفياضنات، هي خسارة اقتصادية متراكمة.
أما الزاوية الثانية، فترتبط بالسياسات العمومية واختيارات ميزانية الدولة، مشيرا إلى أن نفقات الاستثمار وتحديدًا المخصصة للتنمية والبنية التحتية، شهدت تراجعًا ملحوظًا في ميزانية الدولة خلال السنوات الأخيرة، لتصل إلى حدودها الدنيا.
وبين، ان هذا التراجع قلّص من قدرة الدولة على التدخل الوقائي وتحسين البنية التحتية، وجعلها أكثر هشاشة أمام الأمطار والفيضانات، وفق تقديره.
وأضاف، ضعف البنية التحتية وسرعة تضررها عند أول موجة أمطار لا يقتصر أثره على الخسائر المادية، بل يؤدي أيضًا إلى تراجع إنتاجية الموظفين والعمال، ويعمّق كلفة الكوارث الطبيعية على الاقتصاد الوطني، في حلقة مفرغة يكون ثمنها النهائي تباطؤ التنمية.
ويُضيف الخبير الاقتصادي، أن الإشكال الحقيقي اليوم لا يقتصر على ضعف الموارد، بل يتعلّق بطبيعة الخيارات المالية نفسها إذ أن الدولة تلجأ إلى الاقتراض أساسًا لتمويل نفقات الاستهلاك، لا نفقات الاستثمار.
ويُحذّر محدثنا، في هذا السياق من أن توجيه القروض نحو الأجور والدعم والتسيير اليومي، بدل توظيفها في مشاريع تنموية وتحسين البنية التحتية و الاستثمار، يُفقد الاقتصاد قدرته على خلق قيمة مضافة مستدامة، ويُعمّق هشاشته أمام الصدمات المناخية.
ووفق الشكندالي، فإن هذا النمط من التمويل يخلق حلقة مفرغة بنية تحتية ضعيفة، إنتاجية متراجعة و نمو بطيء، ثم لجوء متكرر إلى الاقتراض الداخلي لسدّ العجز.





















