تونس-افريكان مانجر
تشير آخر المعطيات المنشورة على موقع البنك المركزي التونسي، إلى أن حجم الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة في تونس بلغ الى غاية 14 جويلية الجاري، 25064 مليون دينار، وذلك مقابل 22031 مليون دينار في ذات الفترة من السنة الماضية.
ويُعد هذا الرقم من أعلى المستويات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، ويطرح تساؤلات جدية حول دلالاته الاقتصادية وسياقاته النقدية والاجتماعية، ومدى علاقته بتسارع نمو الكتلة النقدية.

سيولة مرتفعة خارج البنوك
يشير هذا الرقم إلى وجود كميات ضخمة من النقد خارج المنظومة البنكية، ما يعكس اتساع رقعة التعامل النقدي المباشر (الكاش)، مقابل تراجع استعمال الوسائل البنكية والرقمية في المعاملات، و يعود هذا الارتفاع أيضا الى قانون الشيكات الجديد الذي دخل حيز التطبيق منذ فيفري الماضي، فضلا عن الغاء العمل بالفصل عدد 16 من القانون عدد 54 لسنة 2014 المتعلق بحجز المبالغ النقديّة التي تساوي أو تفوق 5 آلاف دينار والتي لم يقع إثبات مصدرها، وذلك بمقتضى المرسوم عدد 3 لسنة 2024 الصادر بالرائد الرسمي في 15 أكتوبر 2024، وقد أرجعت الحكومة آن ذاك” حكومة كمال المدوري” إلغاء الفصل المذكور إلى أنّ تطبيقه أدّى إلى تضييق نشاط بعض الفئات من المتعاملين وخاصّة منهم صغار الفلاحين وصغار التجار والحرفيين.
و استنادا لمسح نشره المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، بتاريخ 27 ماي 2025، فأنه عقب دخول القانون الجديد للشيكات حيز النفاذ، ظل الدفع نقدا الوسيلة المفضلة لدى التونسيين، بنسبة 47 بالمائة، فيما تصدرت التحويلات والكمبيالة المرتبة الثانية (16 بالمائة لكل منهما).
وقبل تطبيق قانون الشيكات الجديدة، كانت الدفوعات تهيمن عليها التحويلات البنكية تليها الشيكات والخصم المباشر وأخيرا الكمبيالات.
و يرى مختصون في الشأن الاقتصادي، أنه كان من المفترض توفير بدائل للدفع قبل تفعيل قانون الشيكات الجديد لتسهيل المعاملات التجارية وتجنب أي اضطراب اقتصادي.
و في تصريح سابق لموقع افريكان مانجر، قال المدير العام الأسبق للسياسات النقدية بالبنك المركزى محمد سويلم،” انه على الرغم من بلوغ الأوراق النقدية المتداولة مستويات قياسية تاريخية، إلا أن ذلك لا يُعد في حدّ ذاته مصدر قلق اقتصادي مباشر… ير أن الخطر الهيكلي الحقيقي يظهر في صورة تسارع وتيرة نمو الكتلة النقدية بشكل ارفع من نسق الإنتاج، وهو ما قد يتسبب في ضغوط تضخمية ويهدد التوازن النقدي للبلاد.”
وأوضح مُحدثنا، أن الأوراق النقدية هي جزء من الكتلة النقدية التي تشمل جميع وسائل الدفع المتداولة في الاقتصاد، وليس فقط الأوراق النقدية.

تراجع طفيف
وفي الواقع، فانه بالعودة إلى أرقام شهر جوان 2025، فقد سجلت الأوراق والمسكوكات تراجعا طفيفا حيث بلغت نحو 25155 مليون دينار، لتنخفض بشكل طفيف إلى 25064 مليون دينار في جويلية من نفس السنة، أي بفارق سلبي يُناهز 91 مليون دينار، غير أن نسق المسكوكات حافظ على اتجاه تصاعدي رغم هذا التراجع الطفيف، مما يعكس استمرار الطلب على السيولة النقدية لدى الأفراد والمؤسسات، خصوصًا في ظل تنامي المعاملات النقدية المباشرة.
دور البنك المركزي
و رغم حساسية المرحلة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، تبدو سياسة البنك المركزي التونسي في إدارة السيولة النقدية حذرة و محافظة بشكل مفرط، حيث أنه بقراءة الأرقام المنشورة من قبله تشير إلى حدّ الآن بمراقبة الأرقام دون التوجه بفعالية نحو امتصاص الكتلة النقدية الزائدة أو تحفيز إدماجها في الدورة البنكية.
في هذا السياق، يرى مراقبون للشأن الاقتصادي، أن البنك المركزي التونسي مطالب بالعمل على حماية القدرة الشرائية للمواطن و كبح التضخم بالتوازي مع المحافظة على الدورة الاقتصادية، وذلك من خلال مراقبة السيولة وضبط الكتلة النقدية، فضلا عن السعي لامتصاص السيولة الزائدة في السوق عبر اللجوء إلى عمليات السوق المفتوحة من خلال بيع سندات أو أذون خزينة للبنوك، الى جانب تعزيز الرقابة على الاقتصاد الموازي و اعتماد الرقمنة والشمول المالي و توسيع أنظمة الدفع الرقمي.





















