تونس-افريكان مانجر
الوضع الحالي لا يرتقى إلى مستوى الأزمة، فـتونس واجهت في السابق أزمات وظروفًا أشد صعوبة من الظرف الراهن، وفق ما أكده كاتب عام الصيدليات الخاصة محمد صالح كداشي، تعليقًا على الجدل القائم بشأن ترشيد استهلاك الأدوية ونقصها في البلاد.
لاوجود لأزمة
وأوضح كداشي، في تصريح لموقع أفريكان مانجر، أن النقص المسجَّل في الأدوية يخص أربعة اختصاصات أساسية، تتمثل في أدوية مرض الصرع و ضغط الدم، الى جانب أدوية أمراض الغدة الدرقية وأدوية علاج مرض السرطان. وبيّن أن هذا النقص يمكن تلافيه بالاعتماد على الأدوية الجنيسة، باستثناء ما يتعلق بعلاج مرض السرطان.
كما شدّد على ضرورة إقناع المواطن التونسي بأهمية استعمال الأدوية الجنيسة والمصنّعة محليًا، خاصة في الفترات التي تشهد اضطرابًا في التزويد.
وأشار في السياق ذاته إلى أن الصيدليات الخاصة ليست لها علاقة مباشرة أو دور كبير في توفير أدوية علاج السرطان، باعتبار أن هذا الصنف من الأدوية تتكفل بتوفيره الصيدلية المركزية لفائدة مصحات الضمان الاجتماعي.
أقرّ محدثُنا بوجود ضغوطات فعلية على منظومة التزود بالأدوية، غير أن الوضع الراهن لا يمكن اعتباره أزمة بالمعنى الحقيقي.
وفي رده على سؤال حول إمكانية التوجه نحو ترشيد استهلاك الأدوية، أوضح كداشي أن منظمة الصحة العالمية حدّدت مفهوم الترشيد في هذا المجال، وذلك من خلال احترام الوصفات الطبية وآجالها والالتزام بالعلاجات المقررة. وشدّد على أن الأطباء والصيادلة يعملون على حوكمة التصرف في الأدوية وضمان تلبية حاجيات المرضى بالاعتماد على المعرفة والخبرة.
جدل…وزارة الصحة
وفي سياق متصل نقص الأدوية، فان الجدل انطلق عقب بلاغ صادر عن وزارة الصحة تضمّن دعوة صريحة إلى ترشيد استعمال الأدوية، وذلك في إطار خطة وطنية لمواجهة النقص الظرفي في التزويد، سيما و ان البلاغ تزامن مع وفاة شاب بسبب عدم توفر دواء السرطان.
ولم يقتصر الجدل على المواطنين فقط بل شمل الأطباء و أهل الاختصاص، حيث اعتبر البعض أن التوجه نحو ترشيد الاستهلاك خطوة ضرورية لضمان استمرارية توفير الأدوية وحماية الحق في العلاج في ظل النقص المتزايد لمختلف الأصناف، في حين رأى آخرون فيها مؤشرًا على أزمة أعمق تمسّ المنظومة الصحية برمتها والحق الدستوري للتونسيين في الصحة.
أزمة متجددة
و يقول الدكتور رفيق بوجدارية رئيس قسم الاستعجالي بمستشفي عبد الرحمان مامي بأريانة، ان تونس عرفت أزمة فقدان الأدوية منذ سنة 2014، ثم تجددت في 2018 و2023، ليتم الإعلان عنها رسميًا من طرف وزير الصحة في 2025. لهذه الأزمة أسباب ظاهرة وأخرى خفية.
و يرى بوجدارية، في تدوينة نشرها على صفحته فايسبوك، ان الأسباب تنقسم الى أسباب ظاهرة تتمثل أساسًا في عجز الميزان المالي للصيدلية المركزية المورد الوحيد للأدوية، ورفض بعض المخابر الأجنبية التزويد قبل تسديد الديون، باستثناء المخابر الإسكندنافية التي واصلت التزويد.

و أشار الى أن انسحاب بعض المخابر من تونس أو توقفها عن إنتاج أصناف معينة لانعدام الجدوى المالية، تُعد أيضا من الأسباب الواضحة، فضلا عن الاستهلاك المفرط والعشوائي للأدوية، خاصة المضادات الحيوية التي يحصل عليها المواطنون غالبًا من دون وصفة طبية.
و بين أن الأسباب الباطنة تتعلق بـعجز الصناديق الاجتماعية وانعكاسه على الصيدلية المركزية، رغم محاولات الحكومات السابقة لتغطية العجز، فضلا عن ارتفاع كلفة الأدوية والمعدات الطبية المرتبطة بالأمراض المزمنة والمعقدة مثل السرطان وأمراض القلب، في ظل التزام المنظومة الصحية بتقديم خدمات علاجية متقدمة للجميع.
كما لفت الى تفاقم ظاهرة تهريب الأدوية نحو بلدان الجوار بفعل فارق الأسعار، ما جعلها تجارة مربحة للمهربين.
وأكد أن هذه الأزمة التي تتجدد كل بضع سنوات بحاجة إلى مقاربة شاملة تقوم على الثقة والرؤية الواضحة، والتعاون بين جميع الأطراف، مشددا على أن تونس لها من الإمكانيات البشرية و الصناعية ما يسهل عليها الخروج من هذه الأزمة و لكن بشروط عديدة غير عسيرة أولها الثقة و الرؤيا الواضحة، وفق تعبيره.
من جهة أخرى، استنكر رواد مواقع التواصل الاجتماعي دعوة وزارة الصحة الأطباء والصيادلة إلى الاستناد إلى البيانات الوطنية في وصف الأدوية وترشيد الوصفات، مع توعية المواطنين بأهمية حسن استعمالها، و اعتبروا أن ذلك فيه مس من حق التونسي في التداوي و حقه في توفر الأدوية مهما كان صنفها.
كما عبروا، عن استنكارهم من فقدان الأدوية وعجز الصناديق الاجتماعية عن توفير بعض ادوية السرطان.
من جهتها وزارة الصحة، وردا عن الجدل الحاصل في هذا الخصوص، أشارت في بلاغ لها الأربعاء 27 أوت 2025، إلى أن البلاغ الصادر عنها بتاريخ 24 أوت الجاري والمتعلّق بالمنظومة الدوائيّة تمّ تأويله بشكل خاطئ وتوظيفه لغايات أخرى لا علاقة لها بهدفه الحقيقي وذلك على إثر تداول أخبار زائفة وفيديوهات قديمة مرتبطة بقطاع الصحّة والدواء.
وشددت الوزارة على أنّ الإستراتيجية الوطنيّة للدواء تقوم على ضمان ديمومة المخزون الاستراتيجي وتشجيع وصف الأدوية المسجّلة والجنيسة وتأمين وصول المرضى إلى كلّ العلاجات الضروريّة.
وأشارت الى أن ترشيد استعمال الأدوية علم قائم بذاته في كل بلدان العالم، وهو لا يعني حرمان المرضى من العلاج، بل حسن استعمال الدواء ، بالكمية والمدة اللازمة، حتى يكون ناجعا، مشددة على أن الهدف لم يكن أبدا حرمان المرضى من أيّ علاج، بل بالعكس العمل على ضمان استمراريّة التزويد.
ودعت الوزارة إلى عدم الانسياق وراء الأخبار الزائفة والتأويلات المغلوطة التي تسعى إلى تشويش وتعطيل عمل الوزارة في تطوير في قطاع الصحّة والدواء.
جدير بالذكر، فان كلفة شراء الأدوية في الصيدلية المركزية خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، بلغت الـ 300 مليون دينار.
ارتفاع كلفة الشراءات
و استنادا لما أكده الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية، شكري حمودة، في تصريح سابق لوكالة تونس افريقيا للأنباء في مارس المنقضي، فان كلفة شراء الأدوية في الصيدلية المركزية خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، ارتفعت إلى 300 مليون دينار بعدما كانت في حدود 30 مليون دينار فقط، وفق ما كشفه الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية، شكري حمودة.
وقال حمودة، إن الارتفاع الكبير في كلفة الشراءات من الأدوية يفرض اتخاذ إجراءات تتيح إحكام التصرف في الكلفة، في الوقت الذي تستأثر فيه 16 نوعًا من الأدوية لوحدها بمبلغ 250 مليون دينار.
وبيّن أنه يمكن تحسين التصرف في منظومة الكلفة من خلال ترشيد الوصفات الطبية، وذلك باختيار أنواع الأدوية الأقل تكلفة مع الحفاظ على نفس الفعالية.





















