تونس- أفريكان مانجر
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية في تقرير أصدرته اليوم الاثنين 12 جانفي 2015، إن جهود تونس في محاسبة جرائم القتل التي ارتكبت أثناء الانتفاضة منذ أربع سنوات واجهت مشاكل قانونية ومشاكل أثناء التحقيق جعلتها تفشل في تحقيق العدالة للضحايا.
وباستثناء عقوبة السجن المؤبد التي صدرت في حق الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذي مازال يعيش خارج البلاد، أسفرت المحاكمات العسكرية المطولة على عقوبات مخففة وأحكام تبرئة للمتهمين بقتل المتظاهرين.
المحاسبة المنقوصة
وعنونت المنظمة تقريرها “المحاسبة المنقوصة: أوجه القصور في محاكمات جرائم القتل أثناء الثورة التونسية”، ويستعرض التقرير الذي امتد على 52 صفحة، تحليلا للجهود التي بذلتها تونس لتحقيق العدالة للمسؤولين عن استخدام الشرطة للقوة المفرطة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، عندما ترك بن علي السلطة وفرّ من تونس.
وخلال هذه الفترة، قتل 132 متظاهرا وأصيب مئات الآخرين بجروح. وبلغ العدد الجملي للمتهمين 53 شخصا، عرضوا جميعا على المحاكمة في أواخر 2011، ومنهم وزيران سابقان للداخلية ومسؤولان ساميان في نفس الوزارة، إضافة إلى المتهم الرئيس بن علي الذي حوكم غيابيا. وبسبب الاعتماد على تشريعات قديمة، لم تقم السلطات الجديدة بتعديلها، تمت جميع المحاكمات في محاكم عسكرية.
عيوب خطيرة
وحسب نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمنظمة الحقوقوية، إريك غولدستين فإن: ” مسار العدالة عانى من عيوب خطيرة من البداية إلى النهاية. ونتيجة لذلك، لم تتحقق العدالة لعديد الضحايا رغم مرور أربع سنوات عن الثورة”.
اعتمد تقرير هيومن رايتس ووتش على عدد كبير من المقابلات مع محامي الضحايا وعائلاتهم، ومع ممثلين من منظومة القضاء العسكري، وعلى تحليل معمق لوثائق المحكمة، بما في ذلك الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف العسكرية في 12 جانفي 2014.
وتمت محاكمة المتهمين الثلاثة والخمسين في ثلاث محاكم عسكرية ابتدائية، ثم عرضت الأحكام على محكمة الاستئناف العسكرية.
وحسب ذات المصدر الحقوقي، فقد تميزت المحاكمات بأوجه قصور متعددة: ففي مرحلة التحقيق فشل الإدعاء في جمع أدلة هامة، بالإضافة إلى أن القانون التونسي لا ينص على مسؤولية القيادة التي يمكن بموجبها محاسبة القادة المدنيين وقادة الشرطة وقوات الأمن على الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم. إضافة إلى ذلك، تسبب الاستدلال القانوني الخاطئ في محكمة الاستئناف إلى تخفيف الإدانات الموجهة إلى مسؤولين سامين إلى مجرّد الإهمال الجنائي، على الرغم من خطورة الجرائم المرتكبة.
فشل في استرجاع بن علي
كما اعتبر ذات التقرير أن فشل السلطات في الضغط بشكل فعال من أجل استرجاع بن علي من السعودية، التي منحته اللجوء، تسبب في إضعاف مسار العدالة بشكل كبير. ونتج عن ذلك حرمان الادعاء والمحاكم من مساءلة أحد المتهمين الرئيسيين، وتحديد دوره وأدوار المسؤولين السامين الآخرين في جرائم القتل التي حصلت. ورغم الإصلاحات التي أدخلت على منظومة القضاء العسكري في جويلية 2011، مازالت هناك نقائص لاعتبارها سلطة مستقلة.
وفي ديسمبر 2013، تبنى المجلس الوطني التأسيسي القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها. وينص هذا القانون على منظومة شاملة لمعالجة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي حصلت في الماضي، وينشئ هيئة الحقيقة والكرامة ودوائر جنائية متخصصة يُشرف عليها قضاة حصلوا على تدريب في مجال العدالة الانتقالية للنظر في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.
كما يمنح قانون ديسمبر 2013 لهيئة الحقيقة والكرامة حق مراجعة القضايا المتعلقة بالانتفاضة التي نظرت فيها محاكم عسكرية، وإحالتها على الدوائر المتخصصة لإعادة المحاكمة. وهو ما يعني إمكانية إعادة محاكمة المتهمين الذين تمت تبرئتهم أو الذين انهوا عقوباتهم في نفس الجرائم.
إعادة محاكمات
وقد ينتج عن إعادة فتح هذه القضايا معالجة لأوجه القصور التي شابت المحاكمات العسكرية، وبالتالي تحقيق العدالة للضحايا.
ولاحظت هيومن رايتس ووتش أنه يجب السماح بإعادة المحاكمات فقط إذا كانت تستجيب للمعايير الدولية المتعلقة باستثناءات إعادة المحاكمة.
يُذكر أنه يُسمح بإعادة المحاكمة إذا توفرت أدلة جديدة تتعلق بمسؤولية شخص ما في جريمة معينة، أو إذا أبرزت المراجعة الدقيقة لمحاكمات سابقة أنها لم تتمتع بالاستقلالية والحياد.
ودعت هيومن رايتس ووتش البرلمان التونسي تعديل المجلة الجزائية بإدراج حكم قانوني يتعلق بمسؤولية القيادة، ومنع المحاكم العسكرية من النظر في القضايا التي يكون فيها أحد المتهمين أو الضحايا مدنيا.
وسينتج عن الحكم المتعلق بمسؤولية القيادة منع إفلات المسؤولين السياسيين والعسكريين من المحاسبة على الجرائم التي يرتكبها أشخاص يعملون تحت قيادتهم.
وفي سياق متصل دعت المنظمة السلطات التونسية لضمان عمل آليات العدالة الانتقالية بشكل مستقل ومحايد، وفق ذات المصدر.
يشار إلى ان تونس تحتفل بعد غد بالذكرى الرابعة للثورة التونسية.





















