تونس-افريكان مانجر
يُعد مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا”إلماد“(ELMED)، من بين أبرز وأكبر المشاريع الطاقية التي انطلقت فيها بلادنا لتعزيز مكانة تونس الطاقية، بحسب ما أكدته سلطة الإشراف في عديد المناسبات، إلا أن هذا المشروع مازال محل جدل واسع و انتقادات من قبل الجامعة العامة للكهرباء و الغاز التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل.
واستنادا لما أكده الياس بن عمار عضو الجامعة العامة للكهرباء و الغاز في حوار لموقع افريكان مانجر، فان مشروع ألماد من بين المشاريع التي ستفتح عديد المخاطر على قطاع الكهرباء في تونس، فضلا عن أنه امتدادٌ لنمط استعماري اقتصادي قديم يخدم مصالح الخارج على حساب الداخل وسينجر عنه ارتفاع لنسبة مديونية الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وفق تعبيره.
ويقول بن عمار، أن تحفظات الجامعة العامة للكهرباء و الغاز، مبنية على دراسات تم إنجازها من بينها دراسة تحت عنوان نحو انتقال طاقي عادل في تونس و أخرى بعنوان تونس ومشروع الماد: ربط كهربائي مع أوروبا أم ارتباط بالأجندة الأوروبية للطاقة؟.
وقد بينت هذه الدراسات، أن مشروع الماد سيكون له انعكاسات قد تكون جسيمة على القطاع الكهربائي في تونس، إلى جانب أنه سيتسبب في تفاقم مديونية الشركة التونسية للكهرباء و الغاز.
ولفت إلى أن تحفظات الجامعة العامة للكهرباء و الغاز، تنقسم إلى التأثيرات على الاقتصاد الجزئي و الاقتصاد الكلي، مشيرا إلى أن التغييرات التي طرأت على صيغة المشروع هي التي أدت الى هذه التخوفات.
صيغة 2008
وبحسب مصدرنا فان الصيغة الأصلية للمشروع التي تعود لسنة 2008 الغاية الأساسية منها كانت تصدير الطاقة الكهربائية من تونس إلى إيطاليا عبر منشأة خاصة مع ضمان حصة الاستهلاك المحلي التونسي و التي قدرت بثلث الطاقة المنتجة.
وكان من المنتظر اعتماد الغاز الطبيعي او الفحم الحجري كوقود للتشغيل بهدف التخفيض من كلفة الإنتاج، و يتضمن المشروع في صيغة سنة 2008 محطة لإنتاج الكهرباء بقدرة 1200 ميغاوات منقسمة الى 800 ميغاوات لإيطاليا و 400 ميغاوات لتونس.
وفي قراءة لهذه المعطيات فانه كان من المنتظر اعتماد البلاد التونسية كفضاء للاستغلال لان تونس حينها لم تكن تواجه أزمة في تغطية حاجياتها من الكهرباء .
الصيغة الحالية للمشروع
ويقول محدثنا انه عقب التغيرات السياسية التي حصلت بتونس تمت إعادة هيكلة المشروع وتم التخلي عن تركيز المنشأة الخاصة بإنتاج الكهرباء و التقليص من حجم القدرة الجملية للخط الرابط من 1000 ميغاوات إلى 600 ميغاواط مع إمكانية التعزيز بخط ثان عند الحاجة ، إلى جانب عدم الاقتصار على تصدير الطاقة من تونس الى إيطاليا و إدراج إمكانية التوريد من أوروبا لتونس أي أن الخط الرابط أصبح مزدوج الاتجاه.
و بهدف تجسيد هذه الصيغة التجأت تونس إلى المؤسسات المالية العالمية لتعبئة الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشروع و تحضير البنية التحتية، لهذه الموارد في شكل قروض.
قانون 2015
وأوضح المتحدث أن قانون سنة 2015 نصّ على أن التصدير يخضع لنظام اللّزمات، مع إمكانية تمكين الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) من تصدير فوائض الطاقات المتجددة، خاصة في ظلّ توجه أوروبا نحو إرساء آلية “شهادة الكربون” وتشجيع الطاقات النظيفة.
وأضاف أن الطرف الأوروبي يسعى إلى تنويع مصادره الطاقية لضمان استمرارية نشاطه الصناعي، وهو ما يجعل مشروع “الماد” استجابة مباشرة لحاجات أوروبية أكثر مما هو مشروع يخدم المصلحة الوطنية التونسية، معتبرًا أن ذلك يُعدّ امتدادًا للنمط الاستعماري القديم.
وبيّن أن الستاغ ستكون مجبرة على تصدير الفوائض حتى في حال بيعها بالخسارة، لأن الكهرباء في تونس لا يمكن تخزينه، كما أن التوجه نحو التخزين تكلفتة مرتفعة جدًا، مما يجعل عملية التصدير أمرًا حتميًا.
وأشار أيضًا إلى أن الجهات المعنية و سلطة الاشراف المتمثلة في وزارة الصناعة و الطاقة و المناجم، لم تُنجز أي دراسة جدوى اقتصادية للمشروع، رغم ضخامة التمويلات الموجهة له، مبينا ان الدراسات التي تم إنجازها في الغرض اقتصرت فقط على الجهات الممولة.
الإنتاج سيُوجه نحو أوروبا
وأوضح أن قانون 2015 ينص على أن التصدير سيتم في إطار لزمات تُمنح في الواقع للمستثمرين الأوروبيين الذين سيوجهون إنتاجهم نحو السوق الأوروبية، بينما ستجد الستاغ نفسها مُكرهة على التصدير دون أن تكون المستفيدة منه، بل ستكون عرضة للمخاطر وتقلبات الأسعار المرتبطة بالسوق الأوروبية.
وأكد أن تونس، في الواقع، ستكون مجرد فضاء استثماري لتوليد الطاقة الموجهة نحو أوروبا، وهو ما أقرّت به الجهات الأوروبية نفسها في تصريحات رسمية.
بدائل
واعتبر أنه كان من الأفضل استغلال 600 ميغاواط التي سيتم استيرادها من أوروبا في إنتاج محلي للطاقة ما يفتح آفاق تشغيلية أوسع.
وشدّد على أن رفض مشروع الماد لا يستند إلى مواقف نقابية، بل إلى دراسات واقعية ومعطيات دقيقة حول الواقع الطاقي في تونس، باعتبار أن القائمين على هذه المواقف هم مهندسون وفاعلون في القطاع.
وأضاف أن الستاغ اقترضت نحو 1300 مليون دينار لإنجاز المشروع، في حين أنه كان بالإمكان توظيف هذا المبلغ في مشاريع بديلة مثل إنشاء محطات شمسية أو محطات لتخزين الكهرباء في الشمال الغربي، وهو ما كان سيعزز الاستقلالية الطاقية دون الارتهان للسوق الأوروبية.
وأشار إلى أن من بين البدائل التي كان من الممكن التوجه نحوها، تعزيز الربط مع الجزائر التي تعتبر شريكا استراتيجيا موثوقا، بالإضافة إلى أنها تمثل سوقًا مضمونة مقارنة بأوروبا، وفق تقديره.
وخلص الى أن مشروع الماد ينطوي على مخاطر محتملة على قطاع الكهرباء في تونس، كان بالإمكان تفاديها، مضيفًا ” نشك في أن التوريد من أوروبا سيكون أقل كلفة كما يُروّج لذلك”.
ورغم ارتباط المشروع بالإستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي، اعتبر بن عامر، أن سلطة الإشراف لم تنجح في بلورة خطة متكاملة في هذا المجال، مبينا أن الرفض للارتباط بأوروبا لا يعني العزلة، خاصة وأن تونس مرتبطة بشبكات كهربائية مع الجزائر وليبيا.
وشدد الياس بن عمار، على أن الشعب التونسي سيتحمل تبعات الأضرار التي قد تنجرّ عن تنفيذ هذا المشروع، مؤكدًا أن الارتباط بالشبكة الكهربائية الأوروبية لا يُعد بالضرورة مشروعًا ناجحًا، مستشهدًا بـتجربة السويد التي رفضت الربط الكهربائي مع ألمانيا حفاظًا على سيادتها الطاقية.
وبيّن أن مشروع “الماد” لم يقُم على دراسات علمية، إذ أن الدراسة الوحيدة المنجزة هي تلك الممولة من الأطراف الداعمة للمشروع.
كما أوضح أن الستاغ حُرمت من استغلال 380 ميغاواط من مشاريع الطاقات المتجددة رغم مصادقة ثلاثة مجالس وزارية عليها، وأن سلطة الإشراف رفضت منح التراخيص اللازمة بحجة القيود المالية العمومية، في حين سمحت بإنجاز مشروع الماد الذي تطلب قرضًا ضخمًا بقيمة 1300 مليون دينار، ما رفع مديونية الشركة بنسبة 15% مقارنة بسنة 2023، دون أي دراسة جدوى واضحة.
ولفت في الختام إلى أن المديونية الجملية للستاغ لدى البنوك بلغت 7850 مليون دينار سنة 2019، وفق تقرير وزارة المالية، على أن يتم سدادها خلال السنوات القادمة بفوائد متغيرة مرتبطة بأسعار الفائدة في السوق الأوروبية، مما يزيد من المخاطر المالية على الشركة والبلاد.
جدر بالذكر، فقد استكمل المشروع عدّة مراحل أساسية، أهمها الاتفاقيات والتراخيص والدراسات الفنية والمسح البحري وإجراءات التمويل وتحديد مواقع محطات التحويل في منزل تميم بتونس وبرتانا في صقلية بإيطاليا.
ومن المنتظر أن يدخل المشروع حيّز الاستغلال بحلول سنة 2028، وسيمكّن تونس من تلبية حاجيات سوقها وتصدير الفائض الطاقي الى إيطاليا، وفقا لما أكده مدير عام الكهرباء و الانتقال الطاقي بوزارة الصناعة بلحسن شيبوب في تصريح سابق لأفريكان مانجر.





















