أفريكان مانجر- وكالات (تحليل إخباري)
التجربة الديمقراطية المصرية آلت إلى سيطرة الجيش على السلطة ودولة ينتشر بها العنف، أما تونس فنجحت في كتابة دستور توافقي وتحقيق ثان انتقال سلمي للسلطة .. هكذا استهلت صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية مقالا تحليليا للباحث في جامعة برينستون الأمريكية شاران جريوال عن الفارق الكبير بين الانتقال الديمقراطي في تونس ومصر وعوامل نجاح الأولى وإخفاق الثانية.
الاختلاف بين الانتقال الديمقراطي في تونس ومصر جعل هناك عددا من المقارنات والفجوة المتسعة في النواتج تجعل تلك المقارنات حتمية، وعلى الرغم من ضمان ترسيخ الديمقراطية في تونس، فإن تقدمها يطرح سؤالا ألا وهو: لماذا كان الانتقال الديمقراطي في تونس أكثر نجاحا عن نظيره في مصر؟
فجوة
التفسير المعتاد لتفرد التجربة التونسية هو قلة وتجانس عدد سكانها وغياب الاختلافات الأيديولوجية العميقة، لكن في حقيقة الأمر فإن الاستقطاب الأيديولوجي في تونس كان شديدا شأنه شأن مصر، والانتقال الديمقراطي في تونس عانى من الفجوة بين الإسلاميين والعلمانيين وهو الأمر الذي أدى لاغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي فضلا عن شهور من الجمود السياسي.
وتظهر دراسة أجراها “الباروميتر العربي” أنه على الرغم من التجانس والانسجام في تونس، فلم تكن هناك ثقة بالعلمانيين في تونس بنفس الدرجة التي كان عليها الحزب الإسلامي الحاكم في مصر، ويسلط محللون آخرون الضوء على الفروق الاجتماعية والاقتصادية، على اعتبار أن التونسيين أكثر ثقافة وعلمانية وثراء من المصريين وجميع تلك العوامل يرتبط بالتوجهات الديمقراطية، لكن الدلائل تشير إلى أن خيبة الأمل في تحقيق الديمقراطية كانت كبيرة في البلدين.
الديمقراطية؟!
وتشير بيانات “الباروميتر العربي” إلى أنه بحلول عام 2013، لم تعد الأغلبية في البلدين تعتقد أن الديمقراطية مناسبة لبلادهم، ويزعم علماء آخرون أن تونس استفادت من التوازن الديموغرافي (السكاني) داخلها بين العلمانيين والإسلاميين، في حين حصد المرشحون الإسلاميون في مصر 70% من الأصوات في أول انتخابات، أما علمانيو مصر اختاروا إفشال الديمقراطية خوفا من عدم تحقيق الفوز في الانتخابات المقبلة.
على الرغم من ذلك، كانت سيطرة الإسلاميين على المشهد السياسي في مصر قصيرة الأجل، فقد فقد الإسلاميون كثيرا من جاذبيتهم الأولى التي اكتسبوها في الانتخابات الرئاسية عام 2012، وقبيل حدوث “الانقلاب” في جويلية عام 2013، كانت نسبة قبول الرئيس الإسلامي محمد مرسي 32% وظهرت آفاق فوزه بأي انتخابات أخرى قاتمة، لذا كان على العلمانيين في كلا البلدين أن يتحلوا بالثقة الكافية حتى يمكنهم الفوز بأي انتخابات مستقبلية.
النهضة أكثر اعتدالا
ويؤكد البعض أن الحزب الإسلامي الحاكم في تونس (حركة النهضة) كان أكثر اعتدالا عن نظيره في مصر (جماعة الإخوان المسلمين)، ونتيجة لذلك، كان حكم النهضة توافقيا تجاه العلمانيين الثوريين وفلول النظام الحاكم الأسبق، لكن على الرغم من السلوك الأكثر اعتدالا من جانب النهضة، ظلت المعارضة التونسية تطالب بإسقاط حكمها مثلما طالبت المعارضة المصرية بإسقاط الإخوان، وفي كلا البلدين، انضم الثوريون المحبطون لأنصار الأنظمة السابقة في دعوة مؤسسات الدولة لتقويض الإسلاميين سواء كانوا معتدلين أو متشددين.
محاولة انقلاب في تونس
وما يبدو أن تلك التفسيرات تغفله هو أنه أثناء صيف وخريف عام 2013، كان الانتقال الديمقراطي في تونس على وشك أن يسير على خطى مصر، فعلى غرار احتجاجات 30 جوان في مصر التي آلت إلى “انقلاب” 3 جويلية، فقد نظمت المعارضة التونسية مسيرات كبرى تطالب بإسقاط النهضة وحل الجمعية التأسيسية، وربما يكمن الجواب الفعلي لاختلاف المسارات في مصر وتونس، في استجابة مؤسسات الدولة لدعوات إفشال الديمقراطية.
ففي مصر، استجاب القضاء والجيش ورحب بتلك الدعوات وكانت المعارضة في مصر قادرة على مناشدة السلطة القضائية لحل البرلمان المنتخب ديمقراطية ونجح الجيش في الإطاحة برئيس منتخب ديمقراطيا، لكن على العكس في تونس، لم تستطع السلطة القضائية أو الجيش على القيام بذلك، ومع عدم وجود شراكة مع مؤسسات الدولة، لم يكن أمام المعارضة التونسية في نهاية المطاف إلا اللجوء لطاولة المفاوضات مع النهضة وتيسير توافق اﻵراء.
على مستوى القضاء
ولنبدأ مع السلطة القضائية، فبعد 5 أشهر فقط من إكمال مصر لأول انتخابات حرة ونزيهة، ألغى القضاء المصري تلك الانتخابات بحجة الأخطاء الإجرائية ما أدى إلى حل البرلمان المنتخب ديمقراطيا، وكانت المحكمة الدستورية العليا قد مارست سلطتها في إلغاء الانتخابات مرتين قبل ذلك (عامي 1987 و 1990) وظهرت حريصة على أداء تلك المهمة مرة أخرى ضد الإخوان المسلمين.
الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك نجح في تعبئة السلطة القضائية في عام 2000 وجعل أركانها من الموالين للنظام والقضاة المناوئين للإسلاميين، وعلى سبيل المثال تهاني الجبالي نائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا، يُزعم أنها دعت المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتأخير الانتخابات البرلمانية خوفا من أن تأتي بأغلبية من حركات الإسلام السياسي على حدّ زعمها.
أما أحمد الزند وهو رئيس نادي القضاة المصري فذهب لما هو أبعد من ذلك، حيث زعم أن وصول الإخوان لسدة السلطة، يسقِط الدولة ولا يمكن ترك الأمور لهؤلاء الذي لا يستطيعون إدارتها بحجة أننا لسنا متخصصين في السياسة، لذا فيمكن القول إن السلطة القضائية المصرية كانت قادرة وراغبة في الوقوف إلى جانب المعارضة المناوئة للإسلاميين من أجل حل البرلمان المنتخب ديمقراطيا.
وهنا نطرح سؤالا لماذا لم تحذ السلطة القضائية التونسية حذو نظيرتها المصرية وتلبي مطالب المعارضة بحل الجمعية التأسيسية؟ السبب الرئيسي وراء ذلك هو أنه لا توجد للسلطة القضائية في تونس اختصاص تستطيع بموجبه إلغاء الانتخابات، فالمجلس الدستوري التونسي استطاع اكتساب تلك الصلاحية عام 2002، لكن نظرا لضعفه الشديد في ظل النظام الأسبق، تم حله في مارس عام 2011.
وأصبحت أعلى هيئة قضائية في تونس خلال الفترة الانتقالية هي محكمة التعقيب والتي لم يكن لديها أي اختصاص للبت في دستورية القوانين الانتخابية، حتى وإن كانت السلطة القضائية التونسية ترغب في تقويض النهضة، فإنها لم تستطع القيام بذلك بنفس الدرجة التي فعلته نظيرتها المصرية.
على مستوى الجيش
أما الدور الأهم فكان للجيش، فالجيش المصري كان هو صاحب الضربة القاضية لعملية الانتقال الديمقراطي في مصر بإسقاطه الرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي في الثالث من جويلية عام 2013، وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال لما لم يحاكِ الجيش التونسي نظيره المصري ويقوم بإسقاط الحكومة التي كانت تتزعمها النهضة؟ الإجابة هي أن الجيش التونسي كانت لديه فرصة مماثلة للتدخل لاسيما مع المؤسسات السياسية المصابة بالشلل والاغتيالات والعدد الكبير من الأشخاص الذي نزلوا للشوارع للمطالبة بإسقاط النهضة.
لكن لم يكن لدى جيش تونس الرغبة الجامحة في إسقاط النهضة، وتاريخيا لم يلعب الجيش التونسي دورا كبيرا في الحياة السياسية على العكس من نظيره المصري ومع تهميش الرئيس الأسبق بن علي لدور الجيش منذ عام 1991، فلم يحرص الجيش على تطوير طموحاته السياسية أو المؤسساتية التي تقوده للتدخل في الحياة السياسية، بينما لم يجعل نظيره المصري عملية الانتقال الديمقراطي تفلت من يديه ولعب دورا فعالا في إدارتها.
أما الجيش التونسي فكانت لديه حصة صغيرة في عملية الانتقال الديمقراطية وعاد لثكناته بعد سقوط بن علي، وتحت حكم النهضة اكتسب الجيش أهمية ومكانة اجتماعية، الجيش المصري على الجانب اﻵخر، كان لديه الكثير من الأسباب لإسقاط الإخوان المسلمين، ففي الوقت الذي احترم فيه الإخوان الكثير من مصالح الجيش ظلت هناك بعض المشكلات بين الجانبين.
إن الفارق في النظرة بين وطنية الجيش والإخوان وتخفيض قيمة الحيازات الاقتصادية والعسكرية نتيجة لسوء إدارة مرسي الاقتصادية فضلا عن الطموحات الشخصية لوزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي جميعها عوامل لعبت دورا في قراره بالتدخل في الحياة السياسية.
أما الخطأ الأكبر للإخوان المسلمين في مصر، ربما يكون الانقضاض على الاحتكار التاريخي للجيش على قرارات الأمن القومي، فمجلس الدفاع الوطني، المؤلف أغلبه من شخصيات تنتمي للمجلس العسكري، أصبح ذات أغلبية مدنية تحت حكم مرسي (لكنه عاد للأغلبية العسكرية مرة أخرى في دستور عام 2014).
في ديسمبر عام 2012، ارتكب الإخوان خطأ فادحا بدعمهم لخطة قطرية لشراء أراضي في سيناء، ورفض الجيش ذلك الأمر زاعما أن سيناء خط أحمر واتخذ السيسي خطوة غير مسبوقة بإصدار مرسوم (وهو من صلاحيات الرئيس عادة)، يقضي بالحد من بيع هذه الأرض.
وجاءت النقطة الفاصلة قبل أسبوعين من “الانقلاب” في مصر، عندما قطع مرسي العلاقات مع النظام السوري وأعلن عن دعمه لإقامة منطقة حظر للطيران، وفي الوقت نفسه، دعا قادة الإخوان المصريين للذهاب للجهاد في سوريا، في حين أكد مساعد الرئيس أن من سيذهبون لسوريا لن يُعاقبون حال عودتهم لمصر، وربما يكون شبح عودة الجهاديين ذوي الخبرة القتالية العودة إلى مصر، فضلا عن الاشتباك مع موقف السيسي اﻷكثر حيادا تجاه سوريا، هو القشة الأخيرة للتسامح بين الجيش والإخوان.
ومع استعداد ورغبة الجيش والسلطة القضائية في تقويض الإسلاميين، لم تكن لدى المعارضة المصرية حافزا كبيرا في التفاوض مع الإخوان، ولم يكن هناك داع للتسوية مع مرسي حيث استطاعت المعارضة الإطاحة به بمساعدة مؤسسات الدولة، أما في تونس فالأمور كانت على النقيض، فالمعارضة أدركت أنه بعد أشهر من الاحتجاجات لم يأت أحد لمساعدتها سواء الجيش أو السلطة القضائية.
وفي نهاية الأمر، أدركت المعارضة التونسية أن عليها التراجع عن مطالبتها بحل المجلس التأسيسي والتفاوض مع النهضة، لذا فإن قصة النجاح في تونس تتلخص في أن جميع الأطراف لم تكن ترغب في الديمقراطية لكن في الوقت نفسه لم يكن أمام جميع الأطراف خيار سوى التسوية من أجل إقرار الديمقراطية. (واشنطن بوست- ترجمة)





















