تصاعد وتيرة الاحداث الاخيرة وارتباك الوضع الى حد التأزم بين أطراف الترويكا عمّق من الفجوة بين الاحزاب التي تحالفت في السابق خدمة لمصلحة بلاد على حافة الهاوية لتكشّر عن وجه اخر تصارعت فيه المواقف والمصالح لتنبئ بعاصفة مرتقبة قد تهز عرش الائتلاف الحاكم.
فالحديث عن استقالة الوزير المكلف بالإصلاح الاداري,محمد عبو يعود بنا الى المشاحنات الجلية التي بدأت تظهر بين رئاسة الجمهورية و رئاسة الحكومة خاصة بعد قرار تسليم البغدادي المحمودي الى السلطات الليبية دون إعلام الرئاسة الأولى مما شكّل الفتيل الأول للشعلة التي ألهبت نار الوفاق.
قرار الاستقالة وإن برّر بمحدودية الصلاحيات, فإن البعض اعتبره امتدادا طبيعيا وردّا رسميا وصريحا على ما سمي بالتحقير لمؤسسة للرئاسة الأولى التي لم يعد لها لا باع ولا ذراع أمام الإحكام الكلي للحزب الحائز على الاغلبية في الترويكا,حيث يفسر المراقبون ما يجري بين الرئاستين باستحواذ حركة النهضة على القرار والتمسك بالرأي الواحد والعمل على تثبيت موالين لها داخل أجهزة الدولة مقابل منح الحزبين الاخرين صلاحيات لا تتجاوز مجرّد تطبيق الاوامر و تنفيذها.
وتشير بعض المعطيات الاولية الى أن قرار الاستقالة هذا لن يكون الوحيد في ظل تواصل توتر الاوضاع الداخلية للحكم,فمن المرجح أن تتبعه استقالات أخرى وجّهت أغلبها نحو وزير المالية,حسين الديماسي والذي تميزت تصريحاته الاخيرة بتفنيد واضح و صارخ
لحركة النهضة في كل ما يتعلّق بالوضع الاقتصادي الذي قالت عنه أنه يشهد تحسنا وانتعاشة في الوقت الذي وصفه فيه الديماسي بالمتأزم و غير القادر على تحقيق نسب النمو المعلن عنها ,فضلا عن كونه كشف خفايا الصفقة المبرمة بين الحكومتين التونسية والليبية مقابل تسليم المحمودي وهو ما أثار حفيظة قياديي النهضة ودعّم فرضية الصفقة التي تشبّث بها معارضو الحكومة واعتبروها أساسا لقرار التسليم .
ثم إن صفة “الطرطور”,التي أطلقتها وكالة الانباء الفرنسية (أ ف ب ) على رئيس الجمهورية محمد منصف المرزوقي جعل البعض يتحدث عن إمكانية استقالته وألحّ البعض الاخر في طلبها دفاعا عنه وحفاظا على تاريخه الحقوقي وعلى شعبية حزبه الاخذة في التراجع حسب قول الكثيرين.
وما حدث اليوم, بعد اعلان الوزير المكلف بالملفات الاقتصادية والاجتماعية,رضا السعيدي عن التراجع في قرار إقالة محافظ البنك المركزي,مصطفى كمال النابلي,يعد مؤشرا على لعبة الكر والفر بين الرئاستين و على تهاوي صورة رئيس الجمهورية والنيل منه بالمعنى السياسي للكلمة وانقشعت غمامة الائتلاف والتشاور والتحالف الثلاثي عن صورة أصلية خلناها رحلت مع النظام السابق لتفتح الابواب على مصراعيها لقوة أحادية :حكومة الإقصاء والانفراد بالرأي .
ولعل الضربة القاصمة جاءت من خلال رفض السلطات الجزائرية تطبيق قرار الرئيس المرزوقي القاضي بالسماح الى رعاياها بالدخول الى تونس بمجرد الاستظهار فقط ببطاقات التعريف الوطنية عوضا عن جوازات السفر,متعللة في ذلك بتذبذب الاوضاع الامنية في المنطقة وضبابية الرؤيا في دول الانتقال الديمقراطي.
كل هذه المواقف جعلت المتابعين للشأن الوطني يقرون بوجود أزمة خانقة بدأت تلاحق رئيس الجمهورية وربما تعجّل بانتهائه سياسيا خلال هذه المرحلة أو حتى خلال المراحل المقبلة.
إن ما تشهده الترويكا اليوم وبوجه أدق التجاذبات الحاصلة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة لا يمكن أن يشير إلا لبداية اضمحلال هذا التحالف الثلاثي خاصة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل,بما يطرح عديد الاستفهامات حول مستقبل التحالفات القادمة لأحزاب ذات مرجعيات فكرية و اديولوجية متباينة.
ان ما لاحظناه من خلال هذه التجربة الاولى يؤكد مبدئيا فشل مثل هذه العلاقة التي وصفتها الناشطة الحقوقية والسياسية أم زياد بعلاقة ضد الطبيعة جمعت علمانيين بإسلاميين, واضعة جنب الحائط جل الاختلافات الجوهرية والمبدئية والاديولوجية للعناصر المكونة لها.
كما أن ما عجّل بسقوط المرزوقي خروجه المبكّر في حملة انتخابية لم تستسغها النهضة ورأت أن جانبا منها يستهدفها مباشرة .ولئن تجاهلتها هذه الأخيرة في المرة الأولى فإنها لم تترك في المرة الثانية (ردود فعله على ازمة المحمودي وإعلانه عزل النابلي وعدم الامضاء على مشروعي القانونين المتعلقين بصندوق النقد الدولي ومبادرة الحريات ال5 للمغاربيين ) فرصة للإجهاز عليه بالضربة القاضية مستعملة في ذلك قانون : الموت لكل من يخالف قانون الائتلاف .
وعلى ما يبدو, فان فشل هذه التجربة من الائتلاف جعلت عديد الملاحظين يقرّون بمسؤولية النهضة فيه باعتبارها تخلت في وقت مبكّر عن حليف استراتيجي لها وأعطت عن نفسها صورة القوة التي يصعب على أي حزب أن يأمن لها و يتحالف معها باستثناء السلفيين وبقية التيارات ذات المرجعية الاسلامية .
شادية الهلالي





















